مضائق هرمز والسويس وباب المندب: مفاتيح الاقتصاد العالمي وتأثيرها على الأسعار


هذا الخبر بعنوان "هرمز والسويس وباب المندب.. كيف تتحكم نقاط الاختناق البحرية في الاقتصاد العالمي؟" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خريطة التجارة العالمية، لا تتساوى جميع الممرات البحرية. فهناك نقاط اختناق استراتيجية تتحكم في تدفقات الطاقة والسلع بين القارات، ويأتي على رأسها مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس. وتكتسب هذه الممرات أهمية استثنائية لأنها تنقل جزءاً كبيراً من النفط والغاز والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا وأميركا، ما يجعل أي اضطراب فيها قادراً على رفع أسعار النفط والشحن والتأمين خلال ساعات. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة، أدركت الأسواق أن المخاطر لا تقتصر على توقف الإمدادات فحسب، بل تشمل أيضاً ارتفاع تكاليف النقل وإعادة توجيه السفن وتعطل سلاسل التوريد العالمية. لذلك أصبحت هذه الممرات مؤشراً رئيسياً يراقبه المستثمرون وشركات الطاقة وشركات الشحن لتقدير اتجاهات الأسعار والتضخم والنمو الاقتصادي العالمي.
يُعد مضيق هرمز أهم ممر للطاقة على مستوى العالم، إذ يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق نحو 20.7 مليون برميل يومياً في 2024، وارتفع إلى 20.9 مليون برميل يومياً خلال النصف الأول من 2025، وهو ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية. ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط الخام فقط، إذ تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً تمر عبره، كما تعبر من خلاله صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر والإمارات، والتي تمثل نحو 19% من تجارة الغاز المسال العالمية. ورغم وجود بعض البدائل، مثل خط الأنابيب السعودي شرق-غرب إلى ميناء ينبع وخط أنابيب أبوظبي إلى الفجيرة، فإن الطاقة الاستيعابية البديلة تظل محدودة مقارنة بالأحجام الضخمة التي تمر عبر المضيق يومياً، ما يجعل أي اضطراب فيه مصدر قلق فوري للأسواق العالمية.
يقع مضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، ويمثل الممر الإلزامي للسفن المتجهة من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس. وتكمن أهمية المضيق في أنه يربط حركة التجارة والطاقة بين الخليج وآسيا من جهة، وأوروبا من جهة أخرى. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 4.1 ملايين برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية عبرت باب المندب خلال 2024، مقارنة مع 9.3 ملايين برميل يومياً في 2023 قبل تفاقم اضطرابات البحر الأحمر. كما تشكل الممرات المرتبطة بباب المندب وقناة السويس نحو 12% من تجارة النفط البحرية العالمية و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وأثبتت أزمة البحر الأحمر أن أي تهديد للملاحة في المضيق يدفع شركات الشحن إلى البحث عن مسارات بديلة، الأمر الذي ينعكس سريعاً على أسعار النقل والتأمين ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد العالمية.
تمثل قناة السويس أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط وتوفر أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا. وتشير البيانات إلى أن القناة تستحوذ على نحو 12% من التجارة العالمية، ما يجعلها عنصراً محورياً في حركة الحاويات والطاقة والبضائع بين القارات. وتبرز أهمية القناة في قدرتها على اختصار آلاف الأميال البحرية مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يقلص زمن الرحلات واستهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية. ولهذا السبب، فإن أي تراجع في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر ينعكس مباشرة على القناة وإيراداتها وعلى الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بها. وتعرضت القناة لخسائر ملحوظة خلال أزمة البحر الأحمر، إذ تراجعت أعداد السفن العابرة بشكل حاد، بينما تشير بيانات حديثة إلى أن مصر فقدت نحو 7 مليارات دولار من إيرادات القناة بين 2023 و2024، بعد أن كانت الإيرادات سجلت مستوى قياسياً بلغ 10.2 مليار دولار خلال 2023.
عندما تصبح هذه الممرات غير آمنة، تلجأ شركات الشحن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا. لكن هذا الخيار يحمل تكاليف إضافية كبيرة. ووفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، ارتفعت حركة السفن عبر هذا المسار بنسبة 89% خلال أزمة البحر الأحمر، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود والانبعاثات وتكاليف التشغيل. كما توضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن رحلة ناقلة نفط من الخليج إلى موانئ شمال أوروبا تستغرق نحو 19 يوماً عبر قناة السويس، لكنها قد تمتد إلى 35 يوماً عبر رأس الرجاء الصالح. وتنعكس هذه الزيادة مباشرة على تكاليف الوقود وأجور الطواقم والتأمين وأسعار الشحن النهائية. وتشير تقديرات أونكتاد إلى أن سفينة حاويات كبيرة تنقل ما بين 20 ألفاً و24 ألف حاوية نمطية بين آسيا وأوروبا قد تتحمل نحو 400 ألف دولار إضافية من تكاليف الانبعاثات لكل رحلة عند استخدام الطريق الأفريقي بدلاً من قناة السويس.
تستفيد الاقتصادات العربية بصورة مباشرة من استقرار هذه الممرات، سواء من خلال صادرات الطاقة الخليجية أو إيرادات العبور والخدمات اللوجستية في مصر ودول البحر الأحمر. كما تعتمد موانئ المنطقة على استمرار حركة التجارة بين الشرق والغرب، ما يجعل أي اضطراب في هذه المسارات مؤثراً على النشاط الاقتصادي والاستثماري والإيرادات الحكومية. قد تبدو هرمز والسويس وباب المندب خطوطاً ضيقة على الخريطة، لكنها في الواقع مفاتيح أساسية للاقتصاد العالمي. فهذه الممرات تنقل ملايين البراميل من النفط يومياً، وآلاف السفن سنوياً، وجزءاً كبيراً من التجارة الدولية. لذلك فإن أي أزمة فيها لا تبقى محصورة جغرافياً، بل تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة والتضخم والنمو الاقتصادي حول العالم.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد