«حلم صيف آخر»: بيروت تستجمع أنفاسها وسط ذكريات الانفجار وتحديات الحاضر


هذا الخبر بعنوان "Dream of Another Summer.. يلتقط أنفاس مدينةٍ تتهيأ لما هو آتٍ" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستحضر هذه المقالة العلاقة الوجدانية بمدينة بيروت، متناولةً تناقضاتها بين سحرها الطبيعي وشموخ أبراجها، وبين تفاصيل الحياة اليومية وآثار الدمار. ينطلق المقال من فيلم «حلم صيف آخر» للمخرجة إيرين بارتولومي، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي، متخذاً من انفجار مرفأ بيروت عام 2020 نقطة محورية.
يتتبع الفيلم رحلة شخصية أليسيا، الواصلة حديثاً إلى المدينة، عبر رسائل صوتية وكاميرا ترصد النوافذ والشرفات والشوارع، مقدمةً بيروت ككيان حيّ وجماد في آن واحد. يربط المقال بين اللحظة المعلقة التي أعقبت الانفجار والتوتر الراهن بين لبنان وإسرائيل، محذراً من خطر الدمار المتجدد. كما يشير إلى صوامع الحبوب وأصوات محاولة استعادة المستقبل والأمل.
يصف المقال الأسلوب الفني للفيلم بأنه قريب من حساسية المخرجة شانتال أكرمان، معتبراً عرضه العالمي الأول دعوة عاجلة لمراجعة حاضر تنذر إشاراته بعواقب وخيمة.
تستقر في ذاكرتي صورة بيروت تلك؛ حيث تتجاور حافة الجرف بصخورها مع الأبراج الشاهقة التي تحجب الأفق. أراها دائماً مزدانة بلوحة فريدة؛ بيج عتيق يحمل بصمات السنين، وأزرق باهت تتخلله بقع لونية مبهجة توحي بوجود حياة نابضة. حركة الناس هي ما يمنح هذه الألوان روحها، وينفخ فيها نبض الاستمرار. وعلى الرغم من تاريخ لبنان القاسي، ظلت هذه المشهدية تبتكر بقاءها وتنتصر على مشاهد الدمار المأساوية التي طالما عرضتها الشاشات، صورٌ حفِرت في الذاكرة ولا تزال تلاحقني منذ اللحظات الأولى لانفجار صيف 2020.
هذا الحدث الكارثي، أكبر انفجار غير نووي في التاريخ، هو نقطة الانطلاق في فيلم «حلم صيف آخر» الذي شاهدته في مهرجان الجونة السينمائي. تدور أحداثه في اليوم التالي للانفجار، ويلتقط الفيلم لحظة ممتدة تستمر فيها الحياة وسط الارتجاجات والصدمة، كأنها تستجمع قواها لتلقي الضربة التالية.
تقف المخرجة إيرين بارتولومي، المولودة في برشلونة والمقيمة في بيروت، خلف الكاميرا، متطابقةً موقعها مع موقع أليسيا التي وصلت لتوّها إلى المدينة. نتعرف على أليسيا من خلال الرسائل الصوتية التي يتركها لها أصدقاؤها وزملاؤها، بينما نرى الأماكن التي تعيش فيها. كاميرا ثابتة تواجه النوافذ والشرفات والشوارع، ترصد الحركة والزمن بحذر. ضوء الشمس والظلال التي يرسمها رائعان، يتآلفان ليقدّما نظرة رقيقة ودقيقة إلى لحظة من لحظات بيروت. في لقطات متناوبة، تقف الكاميرا ساكنة أمام نافذة مفتوحة أو تراقب من الجهة المقابلة للشارع. ومن ورائها نشعر بأليسيا، وهي تمثل المدينة نفسها، تتنفس وهي ترفع نظرها إلى المدينة وإلى ذاتها، كأنها نظرة أخيرة نذير شؤم قبل عودة العنف.
ما تصوغه بارتولومي لحظةً معلّقة في أعقاب الانفجار يكتسب اليوم راهنية مقلقة، مع عودة خطر الدمار. التوتر المزمن بين لبنان وإسرائيل يثقل على المدينة مرة أخرى، وربما لم تكن أليسيا تعلم بذلك، لكن بارتولومي استشرفته على الأرجح. يمنح الهاتف أليسيا صوتًا حين تتحدث إلى صديقة لها تعمل مقيّمةً للأضرار في صوامع الحبوب الجريحة المجاورة لمرفأ بيروت، وهي تحاول أن تجمع شتات المستقبل وبعض الأمل. وتكاد تُلمس أفكارها المعذِّبة عن مستقبل شرير.
صيغ فيلم «حلم صيف آخر» بتناظر فني وحساسية تذكّر بأعمال شانتال أكرمان، وبراهنية مفجعة للأسف. يتردد العرض العالمي الأول لهذا الفيلم الوثائقي مع واقع العناوين الإخبارية في الأسابيع الماضية، ويدعو إلى إعادة التفاوض العاجلة على حاضرٍ تنذر إشاراته بعواقب مخيفة قادمة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة