البحرين
اقتصاد

عهد عيسى الكبير: ترسيخ التنظيم الاقتصادي وتعزيز مكانة البحرين التجارية

البلاد٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:١٢ م0 مشاهدة
عهد عيسى الكبير: ترسيخ التنظيم الاقتصادي وتعزيز مكانة البحرين التجارية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صلاح الدين: عهد عيسى الكبير أرسى دعائم التنظيم الاقتصادي وعزّز مكانة البحرين التجارية" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عقدت غرفة تجارة وصناعة البحرين، بالتعاون مع معهد البحرين للتنمية السياسية، ندوة حوارية بعنوان “الاقتصاد والتجارة في البحرين.. من اللؤلؤ إلى التنوع الاقتصادي”، ضمن برنامج “عام عيسى الكبير”. استعرض فيها يوسف صلاح الدين، النائب الأول لرئيس مجلس إدارة الغرفة، أبرز التحولات الاقتصادية في البحرين وارتباطها بتاريخها الاجتماعي والثقافي، ودور التجار وأهل البحر في بناء مجتمع قائم على العمل والخبرة والانفتاح على العالم. وأكد صلاح الدين أن عهد صاحب العظمة عيسى الكبير، حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه، شكّل مرحلة محورية في تاريخ البحرين الاقتصادي، حيث شهدت بداية تنظيم الحياة التجارية وترسيخ الاستقرار الذي مثل ركيزة أساسية للممارسة الأنشطة الاقتصادية وتوسيع العلاقات التجارية، وقد ارتبطت هذه المرحلة بمسيرة تطور البحرين كمركز للتجارة والتواصل الحضاري في المنطقة، ومهدت لمراحل لاحقة من تطور العمل التجاري والمؤسسي.

علاقات اقتصادية قوامها البحر والتجارة

وقال صلاح الدين إن استحضار عهد عيسى الكبير يفتح نافذة على مرحلة مهمة من تاريخ البحرين، تشكّلت فيها علاقات اقتصادية واجتماعية قوامها البحر والتجارة، مشيرًا إلى أن حكمة عظمته واعتماده على الرأي والمشورة وحرصه على العدل والتعايش أسهمت في توفير بيئة داعمة للنشاط التجاري، وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع. وأوضح أن الجذور التجارية للبحرين تمتد إلى عصور سبقت النفط واللؤلؤ، مستشهدًا بموقع قلعة البحرين، الميناء القديم وعاصمة دلمون، الذي يعكس مكانة البلاد التاريخية في شبكات التبادل التجاري، وقدرتها على توظيف موقعها الجغرافي في التواصل مع الحضارات والأسواق.

وفي تناوله لاقتصاد اللؤلؤ، بيّن صلاح الدين أنه مثّل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، اشترك فيها الغواص والسيب والنوخذة والطواش، وارتبطت بها مهن صناعة السفن والأشرعة والنجارة والحدادة، إلى جانب أنشطة توفير المؤن والتمويل والنقل والتسويق، بما جعل أثرها ممتدًا إلى مختلف جوانب الحياة، ولا سيما في المحرق والمنامة. وأشار إلى تطور آليات الفصل في المنازعات التجارية والبحرية، والاستعانة بخبرة التجار والنواخذة في معالجة الخلافات، إلى جانب تنظيم المعاملات والديون المرتبطة بالغوص وتوثيق الحقوق، مؤكدًا أن هذه الخطوات أسهمت في تعزيز استقرار النشاط التجاري، ومهّدت لتطور العمل المؤسسي. ولفت إلى أن الأسواق التقليدية وفرضتي المنامة والمحرق أدّت أدوارًا تتجاوز بيع السلع وتبادلها، إذ كانت مراكز للتمويل والتوريد والتواصل بين التجار والبحارة والحرفيين، وحلقة وصل بين الإنتاج المحلي والأسواق الخارجية. وتواصل تطوير البنية البحرية في مراحل لاحقة، وصولًا إلى تشغيل ميناء خليفة بن سلمان عام 2009، بما عزّز قدرات البحرين التجارية واللوجستية. وبيّن أن بدايات الحركة الجوية، ثم تطور الطيران التجاري، أضافت بعدًا جديدًا إلى اتصال البحرين بالعالم، وأسهمت في تسهيل انتقال التجار ورجال الأعمال والزوار، لتتكامل حركة الموانئ والمطارات في دعم الاقتصاد وتوسيع فرص الأعمال.

اكتشاف النفط 1932

وتناول صلاح الدين اكتشاف النفط عام 1932 بوصفه نقطة تحول أساسية في المسيرة الاقتصادية، إذ أتاح نشوء صناعة جديدة، وظهور احتياجات مهنية وفنية وتنظيمية، واتساع الطلب على التوريد والنقل والصيانة والمقاولات، إلى جانب تطوير البنية الأساسية والتعليم والتدريب والخدمات، مشيرًا إلى قدرة التجار على التكيف مع هذا التحول والدخول في مجالات جديدة. وفي هذا السياق، استعرض مسيرة غرفة تجارة وصناعة البحرين، التي تعود جذورها إلى مجلس التجار عام 1910 في عهد عيسى الكبير، ثم تطور العمل التجاري المنظم بتأسيس جمعية تجار البحرين العموميين عام 1939، وصولًا إلى اعتماد اسم «غرفة تجارة وصناعة البحرين» عام 1967، بما يعكس اتساع الأنشطة الاقتصادية وتطور احتياجات القطاع الخاص. وأكد أن مسيرة التنمية تواصلت عبر مراحل متعاقبة، لتشهد البحرين توسعًا في الخدمات المالية والصناعة والسياحة والاتصالات والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى الاقتصاد الحديث في العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبدعم من الحكومة الموقرة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله. وأكد صلاح الدين أن قراءة التاريخ الاقتصادي للبحرين تتيح فهم مقومات نجاحها، ففي تجربة اللؤلؤ تتجلى قيمة الخبرة والعمل الجماعي، وفي الأسواق والموانئ تتضح أهمية الانفتاح، وفي التحول النفطي تبرز القدرة على اكتساب المهارات وبناء الأنشطة الجديدة، مشددًا على أهمية مواصلة تطوير الإنتاجية، وتوسيع فرص التصدير والشراكات، وتمكين المؤسسات من تبني الحلول الرقمية، مع صون التراث الاقتصادي والثقافي وتوظيفه في دعم السياحة وتعزيز الهوية الوطنية. كما نوّه صلاح الدين في هذا الإطار بمشروع تطوير وتجديد مدينة المحرق الذي تنفذه وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، باعتباره امتدادًا لجهود الحفاظ على الأحياء السكنية والتاريخية العريقة للمدينة التي ارتبطت بازدهار تجارة اللؤلؤ وعهد عيسى الكبير، بما يسهم في صون الهوية الثقافية والتراثية وتوظيفها في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية والسياحية.

أطول حكّام البحرين حكمًا

وذكر صلاح الدين خلال حديثه أن صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، يعد أطول حكّام البحرين حكمًا، حيث امتد عهده لمدة 63 عامًا منذ عام 1869 إلى عام 1932، ولُقب بالملك وحكيم البحرين وحكيم عصره، وشهد عهده محطات تحول بارزة في ميادين التشريع وبناء المؤسسات الإدارية والأمنية والمالية والقانونية، ومن بينها تأسيس نظام ولاية العهد، ورسم ملامح البنية القضائية والتشريع الجنائي، وإصدار القوانين التجارية، وبناء أول عيادة طبية ومستشفيات ومحطة كهرباء. كما شملت الإصلاحات القضائية والمؤسسية في عهد عظمته ظهور مجالس تجارية تسمى “مجالس العُرف”، وتأسيس محكمة دعاوى الغوص في عام 1894، وتأسيس البلدية وأول مدرسة نظامية في عام 1919، وتنظيم الوقف في عام 1927، وتنظيم القضاء وتأسيس المحاكم الشرعية عام 1928، إلى جانب حرص عظمته على توسيع الرقعة الزراعية والاهتمام بالأمن الغذائي مبكرًا، وتوسعة فرضة المنامة، وتدوين المعاملات والخلافات بين الغواصين والنواخذة في سجلات رسمية استنادًا إلى مبدأ المساواة وعدم التمييز في تقديم الخدمات والرعاية الصحية وعلاج البحارة في البحر، وحرية الرأي وأداء الشعائر الدينية. واستعرض في تفاصيل العرض المحطات الزمنية التاريخية، مبينًا أن موقع قلعة البحرين ربط قديمًا بين الزراعة المحلية والتجارة البحرية بين وادي السند وبلاد الرافدين، وأن تجارة اللؤلؤ بلغت ذروة ازدهارها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (بين عامي 1850 و1930) وشكلت النسبة العظمى من صادرات البحرين وعمل فيها عشرات الآلاف من البحارة والغواصين، قبل تعرضها للانهيار الكبير في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي نتيجة ضغوط متراكمة شملت ظهور اللؤلؤ المستزرع الياباني، والأزمات الاقتصادية العالمية مثل الكساد الكبير بانهيار “وول ستريت”، وعزوف الناس عن الغوص، ونشوب الحرب العالمية الثانية، واستقلال الهند وفرض ضرائب باهظة على إدخال الكماليات والمجوهرات واللؤلؤ، فضلًا عما ارتبط بتمويل رحلات الغوص من مخاطر الخسارة والإفلاس وترحيل السلف والديون إلى الموسم التالي عند ضعف الحصيلة.

البنية اللوجستية والجوية

ولفت، في سياق استعراضه للبنية اللوجستية والجوية، إلى افتتاح ميناء سلمان العميق في عام 1962 قبل افتتاح ميناء خليفة في عام 2009، وتفصيل انطلاق الحركة الجوية بتوقف الطائرات العابرة بدءًا من مطار العدلية في عام 1918، وانتقاله إلى المحرق في عام 1932، واستخدام الطائرات البحرية في عام 1937 من خلال المطار البحري في القضيبية، إلى جانب إقرار النظام الأساسي لجمعية تجار البحرين العموميين في عام 1951 ضمن مسيرة تطور الغرفة. كما أوضح أن بدايات التحضير وتوقيع اتفاقية النفط كانت في عهد عيسى الكبير، بينما جاء اكتشاف النفط في عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة طيب الله ثراه في 2 يونيو 1932، وتلاه تصدير أول شحنة من النفط الخام إلى اليابان في عام 1934 لتشكل الموارد الهيدروكربونية المحور الرئيسي للاقتصاد، ثم تلتها مرحلة التنوع الاقتصادي والخدمات المالية من سبعينيات إلى تسعينيات القرن الماضي. وبيّن صلاح الدين في تفاصيل العرض أنه مع محدودية الاحتياطي النفطي مقارنة بدول المنطقة الشقيقة، أدركت القيادة الحكيمة مبكرًا ضرورة تنويع مصادر الدخل عبر مسارات شملت: تحويل مدينة المنامة إلى مركز مالي ومصرفي إقليمي رئيسي في الشرق الأوسط استقطب المصارف الدولية والخليجية، والتحول إلى الصناعات الثقيلة مثل مصنع الألمنيوم “البا” كركيزة للاقتصاد غير النفطي، وبناء الاقتصاد الحديث والمتنوع بإنشاء الحوض الجاف والبتروكيماويات والصناعات التحويلية وجلب الشركات العالمية الكبرى مثل “موندليز إنترناشيونال” التي أنشأت مصنعًا ضخمًا للبسكويت والمنتجات الغذائية بمنطقة البحرين العالمية للاستثمار، ومنح “الرخصة الذهبية” لجذب الاستثمارات الكبرى في قطاعات التكنولوجيا والعقارات والصناعات الخضراء واللوجستيات عبر مجلس التنمية الاقتصادية، والاستثمار في سوق الأسهم من خلال بورصة البحرين، فضلًا عن التكنولوجيا والتحول الرقمي والمدفوعات الإلكترونية عبر منصات وطنية ومصرفية متطورة لتقليل الاعتماد على النقد الورقي. وأشار صلاح الدين إلى المكانة الإقليمية والعالمية المؤثرة للبحرين في عهد عيسى الكبير، من خلال دعمها ماليًّا للخلافة العثمانية خلال حرب البلقان (1912/ 1913)، ودعمها ماليًّا لبريطانيا العظمى خلال الحرب العالمية الأولى (1914/ 1918)، وتوصيل أول كابل تلغراف بحري يربط البحرين بالعالم الخارجي، وموافقة عظمته على بناء المحطة اللاسلكية للتلغراف ووهب الأرض لبنائها في عام 1912 وافتتاحها رسميًّا في مارس 1916 بعد انطلاق العمل فعلياً بموافقة الحكومة الهندية في عام 1914، إلى جانب المكانة الخاصة لعظمته مع بريطانيا العظمى وفي الهند مما ساهم في تواجد البحرينيين في الهند خلال العهد الذهبي لتجارة اللؤلؤ. واستشهد بالمراسلات التاريخية التي توثق مكانة عظمته الإقليمية الخاصة عند الحكام والتجار والرحالة والشعراء والأدباء، ومنها المراسلات التاريخية بين الملك عبد العزيز آل سعود والشيخ عيسى بن علي آل خليفة (حاكم البحرين آنذاك) والتي تظهر استخدام الملك عبد العزيز لعبارات التوقير والاحترام الشديد بمخاطبته بلقب “الوالد المكرم” أو “الوالد” بالنص: “من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى جناب الأجل الأمجد الأفخم، بهي الشيم الوالد المكرم الشيخ عيسى آل خليفة، سلمه الله تعالى وأدام بقاءه”، وكذلك رسالة من السلطان العماني تيمور بن فيصل مؤرخة في 1345هـ (29 ديسمبر 1926م)، يخاطبه فيها بـ “الوالد” الأجل الأفخم العزيز ويوقع بـ “إبنكم”، في تجسيد لعقود من التوقير والمحبة.

إنشاء مكتب البريد

كما أشار في جانب التطور الحضاري في عهد عيسى الكبير إلى إنشاء أول مكتب بريد بمدينة المنامة في أغسطس 1884، ودخول أول مطبعة حجرية في عام 1913، وإنشاء مصنع للثلج في عام 1926، وإنشاء أول “كرنتينا” (المحجر الصحي)، وتأسيس المكتب الجمركي لإدارة الجمارك، وإنشاء دائرة المساحة “الطابو”، وتأسيس التعليم النظامي وانتشار المدارس للبنين والبنات، وتشجيع المؤسسات الثقافية والمكتبات ودعم المشاركة في المهرجانات الأدبية العربية. وتذكر صلاح الدين باعتزاز اهتمامه الشخصي بعهد عيسى الكبير، معبرًا عن سعادته التي لا توصف عندما أعلن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، أن يحمل عام 2026 اسم “عام عيسى الكبير” احتفاءً بباني الدولة الحديثة وقائد النهضة المؤسسية في تاريخ مملكة البحرين وتخليدًا لسيرته العطرة، مستذكرًا دور جده المرحوم الحاج أحمد بن حسن إبراهيم في صقل معلوماته عن عظمته منذ صغره، حيث كان كثير الحديث عن عظمته وأعماله وإنجازاته كون جده من المعاصرين لعظمته وكثير التردد على مقر عظمته في مدينة المحرق عن طريق العبارة وذلك قبل إنشاء جسر الشيخ حمد.

شارك الخبر: