البحرين
اقتصاد

مدن عالمية تحت وطأة السياح: هل بدأت الوجهات السياحية ترفض الزوار؟

البلاد٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٠٨ ص0 مشاهدة
مدن عالمية تحت وطأة السياح: هل بدأت الوجهات السياحية ترفض الزوار؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مدن تختنق بزوارها.. لماذا بدأت الوجهات السياحية تقاوم السياح؟" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظاهرة عالمية متنامية، تواجه مدن سياحية شهيرة تحديات غير مسبوقة بسبب الأعداد الهائلة من الزوار، مما يدفع بعضها إلى إعادة التفكير في نماذجها السياحية. ففي البندقية الإيطالية، لم يعد الوصول إلى بعض شوارعها التاريخية مجرد تجربة سياحية، بل أصبح يتطلب دفع رسوم دخول في أيام محددة. وفي برشلونة الإسبانية، تتصاعد المطالبات بفرض قيود على الشقق السياحية، بينما تعاني مدن يابانية من تدفق الزوار إلى أحيائها السكنية ومواقعها التراثية.

هذه المشاهد، رغم تباعدها الجغرافي، تعكس أزمة واحدة بدأت تفرض نفسها على صناعة السفر العالمية: ماذا يحدث عندما يصبح عدد السياح أكبر مما تستطيع المدينة تحمله؟ لسنوات طويلة، كانت زيادة أعداد الزوار مؤشراً على نجاح الوجهات السياحية، لكن هذا المقياس بدأ يواجه تساؤلات جديدة بعدما تحولت السياحة في بعض المدن من مصدر للازدهار الاقتصادي إلى عامل ضغط على السكن والخدمات والبنية التحتية والحياة اليومية للسكان. وتُعرف هذه الظاهرة عالمياً باسم «السياحة المفرطة»، وهي حالة يتجاوز فيها النشاط السياحي قدرة الوجهة على استيعاب الزوار دون الإضرار بجودة حياة سكانها أو بالتجربة السياحية نفسها.

عندما يتحول النجاح إلى أزمة

شهد قطاع السياحة العالمي تعافياً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، إذ سجلت منظمة الأمم المتحدة للسياحة نحو 1.4 مليار سائح دولي في عام 2024، بزيادة بلغت 11% مقارنة بعام 2023، ليقترب النشاط السياحي من مستويات ما قبل الجائحة. غير أن عودة المسافرين بأعداد كبيرة كشفت عن تحديات لم تكن واضحة بالقدر نفسه خلال فترة توقف السفر. ففي المدن التاريخية ذات المساحات المحدودة مثل البندقية وفلورنسا، تتركز الحركة السياحية في نطاق جغرافي ضيق، حيث تتنافس الفنادق والمطاعم والمتاجر مع السكان على استخدام المباني والشوارع والخدمات. ولا تكمن المشكلة بالضرورة في إجمالي أعداد الزوار، وإنما في تركزهم خلال مواسم محددة وفي مواقع بعينها. فمدينة تستقبل ملايين السياح على مدار العام قد تتمكن من إدارة تدفقاتهم بكفاءة، بينما تواجه مدينة أصغر أزمة حقيقية عندما يصل آلاف الزوار إلى مركزها التاريخي خلال ساعات قليلة. وهنا يتغير السؤال الذي تواجهه الوجهات السياحية من «كيف نجذب المزيد من السياح؟» إلى «كيف نستقبل الزوار دون أن نفقد هوية المكان؟»

البندقية.. رسوم للدخول إلى المدينة

تعد البندقية الإيطالية من أبرز الأمثلة على التحولات التي تشهدها إدارة السياحة العالمية. فالمدينة التي تشتهر بقنواتها المائية وجسورها التاريخية تستقبل أعدادًا كبيرة من الزوار، خصوصًا القادمين في رحلات قصيرة لا تتطلب المبيت. وفي عام 2024، بدأت السلطات تطبيق تجربة فرض رسوم دخول على بعض الزوار اليوميين خلال أيام محددة في محاولة لتنظيم التدفقات السياحية والحد من الضغط على المدينة. واستمر تطوير النظام خلال عام 2025 مع توسيع عدد الأيام المشمولة وتطبيق رسوم متفاوتة بحسب توقيت الحجز. ورغم أن الرسوم تمثل أداة لتنظيم الزيارات، فإنها أثارت نقاشًا حول مدى قدرتها الفعلية على معالجة المشكلة. فبعض المنتقدين يرون أن الرسوم قد تتحول إلى تكلفة إضافية يتحملها السائح دون أن تؤدي بالضرورة إلى خفض الازدحام، بينما تعتبرها السلطات وسيلة لإدارة التدفقات وتشجيع التخطيط المسبق للزيارة. وتكشف تجربة البندقية عن تحول مهم في السياسات السياحية، إذ أصبحت إدارة الطلب لا تقل أهمية عن تنشيطه.

برشلونة.. السياحة في مواجهة أزمة السكن

في برشلونة الإسبانية، اتخذت أزمة السياحة المفرطة بُعدًا اجتماعيًا أكثر وضوحًا بعدما ارتبط التوسع في تأجير الشقق للسياح بالنقاش حول ارتفاع الإيجارات وتراجع المعروض السكني للسكان المحليين. وفي يونيو 2024، أعلنت سلطات المدينة خطة لإنهاء تراخيص أكثر من 10 آلاف شقة سياحية بحلول نوفمبر 2028، بهدف إعادة هذه الوحدات إلى الاستخدام السكني. وجاء القرار في وقت تشهد فيه المدينة ضغوطًا متزايدة على سوق العقارات، وسط مطالبات بتوفير مساكن ميسورة التكلفة. لكن القضية ليست بهذه البساطة؛ فالسياحة تمثل أحد محركات الاقتصاد المحلي، وتوفر فرص عمل في الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة. وبالتالي، تواجه السلطات معادلة معقدة بين المحافظة على النشاط الاقتصادي وضمان عدم تحوله إلى عبء على السكان. وتطرح تجربة برشلونة سؤالًا يتجاوز حدود المدينة الإسبانية: هل يمكن أن تحقق الوجهة السياحية نموًا اقتصاديًا مستدامًا إذا أصبح العاملون فيها غير قادرين على تحمل تكاليف السكن؟

اليابان.. عندما يهدد الازدحام جمال المكان

في اليابان، برزت تحديات السياحة المفرطة مع عودة أعداد الزوار الدوليين إلى مستويات قياسية. وسجلت البلاد نحو 36.9 مليون زائر دولي خلال عام 2024، وفق بيانات منظمة السياحة الوطنية اليابانية، وهو أعلى مستوى مسجل آنذاك. لكن هذا النمو صاحبه ضغط متزايد على بعض الوجهات الشهيرة، خصوصًا كيوتو والمناطق المحيطة بجبل فوجي. وفي كيوتو، أثار تدفق الزوار إلى الأحياء التقليدية شكاوى تتعلق بالازدحام والتصوير غير المصرح به والتعدي على خصوصية السكان. أما في المناطق المطلة على جبل فوجي، فقد لجأت بعض السلطات المحلية إلى إجراءات لتنظيم حركة السياح والحد من السلوكيات التي تؤثر في السكان والبيئة. ومن بين الإجراءات التي حظيت باهتمام عالمي إقامة حاجز لحجب أحد مواقع تصوير جبل فوجي الشهيرة في بلدة فوجيكاواجوتشيكو عام 2024، بعدما أدى تجمع السياح إلى مشكلات مرورية وسلوكيات غير ملائمة. وتعكس هذه التجارب حقيقة أن جاذبية المكان قد تصبح أحد أسباب تعرضه للضغط، خصوصًا عندما تؤدي الصور المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى توجيه أعداد كبيرة من المسافرين نحو نقطة محددة.

هل تصبح السياحة الأقل عددًا أكثر ربحية؟

أمام هذه التحديات، بدأت بعض الوجهات تعيد النظر في مفهوم النجاح السياحي بالانتقال من التركيز على أعداد الوافدين إلى مؤشرات أخرى مثل متوسط إنفاق الزائر ومدة الإقامة وتوزيع الحركة السياحية على المناطق والمواسم. فالسائح الذي يقيم عدة ليال وينفق على خدمات متنوعة قد يحقق أثرًا اقتصاديًا أكبر من زائر يقضي ساعات محدودة في المدينة دون استخدام عدد كبير من الخدمات. لكن هذه المقارنة لا تعني أن الزوار اليوميين أقل أهمية دائمًا، وإنما تبرز الحاجة إلى تقييم مساهمة الأنماط السياحية المختلفة مقابل ما تفرضه من تكاليف على البنية التحتية والخدمات العامة. ومن الحلول المطروحة تشجيع السفر خارج مواسم الذروة، والترويج لوجهات بديلة، وتنظيم الزيارات إلى المواقع الأكثر ازدحامًا، وتطوير وسائل النقل العام. كما تتجه بعض المدن إلى استخدام البيانات الرقمية لفهم حركة السياح وتحديد الأوقات والمناطق التي تتعرض لضغوط مرتفعة.

ماذا تعني هذه التحولات للبحرين؟

بالنسبة إلى البحرين، التي تعمل على تطوير قطاعها السياحي وتنويع المنتجات المقدمة للزوار، توفر التجارب العالمية فرصة للاستفادة من دروس الوجهات التي سبقتها في استقطاب أعداد كبيرة من السياح. فالاستدامة السياحية لا ترتبط بالمحافظة على البيئة والتراث فحسب، بل تشمل أيضًا قدرة المدن على استيعاب الحركة السياحية دون التأثير سلبًا في حياة السكان. وتبرز أهمية هذا التوازن في المواقع التاريخية والأسواق التقليدية، حيث يتطلب تطوير التجربة السياحية المحافظة على الهوية العمرانية والاجتماعية للمكان. كما أن تنويع الوجهات والأنشطة السياحية داخل المملكة يمكن أن يسهم في توزيع الحركة الاقتصادية على مناطق مختلفة، بدلاً من تركيزها في عدد محدود من المواقع. ولا تواجه البحرين بالضرورة الضغوط نفسها التي تشهدها مدن أوروبية أو آسيوية مكتظة، لكن التخطيط المبكر يتيح لها تطوير نموذج سياحي يوازن بين النمو الاقتصادي وجودة التجربة والمحافظة على الموروث الثقافي.

شارك الخبر: