البحرين
سياسة

الأمير تركي الفيصل يحذر: تراجع المواليد والذكاء الاصطناعي وجهان لأزمة صامتة تهدد مستقبل الخليج

البلاد١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٨:١٠ م0 مشاهدة
الأمير تركي الفيصل يحذر: تراجع المواليد والذكاء الاصطناعي وجهان لأزمة صامتة تهدد مستقبل الخليج

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تركي الفيصل يحذّر من أزمتين صامتتين تهددان مستقبل الخليج: تراجع المواليد ومخاطر الذكاء الاصطناعي" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

حذّر صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل من تحديين صامتين يواجهان دول مجلس التعاون الخليجي: تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع معدلات الشيخوخة، بالتزامن مع التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكد سموه أن آثار هذه التحولات على مستقبل المجتمعات والاقتصادات الخليجية قد لا تقل خطورة عن آثار الحروب والصراعات العسكرية التي تشهدها المنطقة.

جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها سموه مساء يوم الأحد في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث بالمحرق، بحضور لافت من السفراء والدبلوماسيين وكبار الشخصيات الخليجية والمهتمين بالشأنين السياسي والثقافي. وقد رحبت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، رئيسة مجلس أمناء المركز، بسموه، معربة عن اعتزازها باستضافته في هذا الصرح الثقافي.

استهل الأمير تركي الفيصل محاضرته بالإعراب عن اعتزازه بوجوده في مملكة البحرين، مشيداً بعمق الروابط الأخوية التي تجمع الشعبين البحريني والسعودي، ومكانة البحرين كملتقى للثقافة والتراث. وأشاد بدور مركز الشيخ إبراهيم في تعزيز المعرفة والحوار الفكري، مؤكداً أهمية النقاشات الصريحة حول التحولات الكبرى التي تواجه المنطقة.

تحديات أمنية ومشاريع هيمنة

تطرق سمو الأمير تركي الفيصل إلى التحديات الأمنية الخطيرة التي تواجه المنطقة الخليجية، بما في ذلك الأعمال العدائية والمشاريع الإقليمية التي تستهدف أمن دولها واستقرارها، مشيراً إلى الجماعات الانقلابية المسلحة المدعومة إقليمياً، والتهديدات التي تطال الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب، والاعتداءات على أراضي دول المنطقة ومنشآتها الحيوية. وأكد أن وراء هذه التهديدات مشاريع للهيمنة والتوسع الإيراني والإسرائيلي، يسعى كل منها إلى إضعاف الدول العربية والإضرار بالنسيج الاجتماعي لمجتمعاتها.

تراجع الخصوبة وشيخوخة السكان

كشف سموه، مستنداً إلى بيانات البنك الدولي لعام 2024، عن تراجع ملحوظ في معدلات الخصوبة بدول مجلس التعاون الخليجي. وأوضح أن أربع دول خليجية من أصل ست أصبحت دون مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 مولود لكل امرأة، وهو المستوى اللازم للحفاظ على حجم السكان عبر الأجيال. وأكد أن استمرار هذا الاتجاه ينذر بتحولات ديموغرافية عميقة قد تنعكس على أسواق العمل والنمو الاقتصادي وأنظمة الرعاية الاجتماعية.

وأشار إلى أن الجانب الثاني من التحدي يتمثل في الشيخوخة السكانية التي تتقدم نحو المجتمعات الخليجية بصورة تدريجية. وبيّن أن تقدم الأجيال التي وُلدت خلال فترات الخصوبة المرتفعة في العمر، بالتزامن مع تحسن الرعاية الصحية وارتفاع متوسط العمر المتوقع، سيؤدي إلى تغيرات جوهرية في التركيبة العمرية للسكان، مما يفرض ضغوطاً متنامية على القوى العاملة وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية.

الذكاء الاصطناعي: فرص ومخاطر

انتقل سمو الأمير تركي الفيصل إلى التحدي الثاني، المتمثل في النهضة الكبيرة للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه أحد أكبر التحولات التقنية في تاريخ البشرية، بما يحمله من فرص اقتصادية هائلة ومخاطر اجتماعية وأمنية غير مسبوقة. واستشهد بدراسة لشركة «برايس ووترهاوس كوبرز» قدرت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030.

وحذّر سموه من أن المكاسب الاقتصادية المحتملة تقابلها مخاطر حقيقية على مستقبل الوظائف، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن نحو 300 مليون وظيفة بدوام كامل حول العالم قد تتعرض للتأثر بالذكاء الاصطناعي. وأضاف أن صندوق النقد الدولي قدّر أن نحو 40% من الوظائف العالمية معرضة للتأثر بهذه التقنية، فيما ترتفع النسبة في الاقتصادات المتقدمة. وأوضح أن الوظائف المكتبية والإدارية تُعد من أكثر الوظائف عرضة للأتمتة، ما يضع الحكومات أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الاستفادة من المكاسب الإنتاجية للذكاء الاصطناعي، مع المحافظة على قدرة الاقتصادات على توفير فرص العمل للشباب.

مخاوف أمنية واستخدامات عسكرية

تطرق سموه إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الأنظمة المستقلة القادرة على اتخاذ قرارات معقدة دون تدخل بشري مباشر. وأكد أن التنافس المحموم بين الدول الكبرى والشركات التقنية قد يدفع إلى تجاوز معايير السلامة والأمان في سبيل تحقيق السبق التقني، محذراً من أن تتحول المنافسة إلى سباق تتراجع فيه الضوابط اللازمة لحماية البشرية.

وحذّر الأمير تركي الفيصل من الاستخدامات العسكرية والحربية للذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدول أصبحت قادرة على الاستفادة من التطورات التقنية في تطوير الطائرات المسيّرة والقدرات الهجومية. ولفت إلى المخاطر الناجمة عن محاولات توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات وتقنيات قد تصل إلى أيدي الجماعات المسلحة، بما يضاعف التهديدات الأمنية التي تواجهها الدول. وأشار كذلك إلى تنامي مخاطر التزييف العميق، الذي يتيح إنتاج مقاطع صوتية ومرئية مزيفة يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي.

مفارقة خليجية: نقص العمالة واختفاء الوظائف

أكد سموه أن أخطر ما في التحولين السكاني والتقني هو الترابط العميق بينهما. وأوضح أن تراجع معدلات الخصوبة وتزايد الشيخوخة، إلى جانب احتدام المنافسة العالمية على العمالة المهاجرة، سيدفع دول الخليج إلى التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات لتعويض النقص المحتمل في القوى العاملة. غير أنه حذّر من مفارقة تتمثل في أن التقنية التي ستحتاج إليها الاقتصادات لتعويض نقص العمالة قد تتسبب في الوقت نفسه في تقليص فرص العمل، ولا سيما أمام الشباب والخريجين الجدد.

سياسات استراتيجية لمواجهة التحديات

دعا سمو الأمير تركي الفيصل إلى التعامل مع برامج جودة الحياة ورعاية الأسرة والطفولة باعتبارها استثمارات استراتيجية في مستقبل المجتمعات الخليجية. وأشار إلى أهمية المبادرات القائمة في دول مجلس التعاون، ومنها برنامج جودة الحياة في المملكة العربية السعودية، والمبادرات الأسرية والإسكانية، والسياسات الداعمة للتوازن بين العمل والحياة الأسرية.

كما دعا إلى تطوير السياسات الإسكانية والخدمية بما يراعي الارتفاع المتوقع في أعداد كبار السن واحتياجاتهم المستقبلية. واقترح إنشاء آلية خليجية مشتركة لرصد التحولات الديموغرافية واستشراف آثارها، وربط مؤشرات الخصوبة والشيخوخة والهجرة بأسواق العمل والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

التوسع المدروس في الروبوتات والأنظمة الآلية

أكد سموه أهمية تكثيف التعاون الخليجي في توظيف الروبوتات والأنظمة الآلية في القطاعات كثيفة العمالة أو مرتفعة الخطورة. وأشار إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة وضعت مستهدفات طموحة للتوسع في استخدام الروبوتات، فيما أدرجت المملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية ضمن مساراتها التنموية والصناعية، مع استثمارات واسعة في تطوير القدرات التقنية الوطنية.

وشدد على أهمية التنسيق بين دول المجلس لتحديد القطاعات التي يمكن أن تسهم فيها الأتمتة في رفع الإنتاجية وتعويض نقص العمالة، مقابل القطاعات التي قد يؤدي التوسع التقني فيها إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين. وأوضح أن هذه العملية تستدعي الربط المباشر بين السياسات التقنية والتعليمية والتوظيفية، وإطلاق برامج مشتركة لإعادة تدريب القوى العاملة وتأهيل الشباب للوظائف المستقبلية.

إطار خليجي موحد لحوكمة الذكاء الاصطناعي

دعا الأمير تركي الفيصل إلى تعزيز التعاون الخليجي في البحث والتطوير واختبار الأنظمة الذكية وتقييم سلامتها قبل نشرها. وأشار إلى الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، ومنها المبادئ الأخلاقية والأطر الوطنية لإدارة المخاطر التي أطلقتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا».

وأكد أهمية الاستفادة من التجارب الخليجية القائمة والعمل على تكاملها، وصولاً إلى إطار خليجي موحد لحوكمة الذكاء الاصطناعي، ينظم الاستخدامات الحساسة ويحمي بيانات المواطنين ويعزز التعاون في مجالات السلامة التقنية. واقترح تطوير آليات خليجية مشتركة لمواجهة المخاطر العابرة للحدود، تشمل وضع معايير للأمن وإدارة المخاطر، وتبادل المعلومات بشأن الثغرات والحوادث الأمنية، والتنسيق لاختبار سلامة الأنظمة المستقلة، وتطوير خطط استجابة مشتركة عند تعرض البنى التحتية أو الخدمات الحيوية للاختراق.

الخليج قادر على تحويل التحديات إلى فرص

أكد سمو الأمير تركي الفيصل أن دول مجلس التعاون تمتلك مقومات مهمة تمكنها من التعامل مع هذه التحولات بكفاءة، وفي مقدمتها حكمة قياداتها، ورشد شعوبها، وسرعة اتخاذ القرار، والموارد والإمكانات الاقتصادية المتاحة لها. وأوضح أن هذه المقومات تمنح دول الخليج فرصة للجمع بين الاستثمار في الإنسان والتطوير التقني، والاستعداد المبكر للتحولات السكانية والاقتصادية المقبلة.

وشدد على أن إدارة التحولين الديموغرافي والتقني تتطلب جهوداً تتجاوز قدرة أي دولة منفردة، وهو ما يجعل التنسيق الخليجي ضرورة استراتيجية وليس خياراً تكميلياً. واختتم سموه محاضرته بالتأكيد على أن دول الخليج لا ينبغي أن تنظر إلى المستقبل بعين الخوف، وإنما بعين الفرصة، داعياً إلى مضاعفة الجهود المشتركة والاستعداد المبكر للتحولات المقبلة، بما يحفظ أمن المجتمعات الخليجية واستقرارها وازدهارها.

شارك الخبر: