البحرين
اقتصاد

من مطاعم الأحياء إلى الفخامة: ثورة الحلال في باريس تُعيد تعريف تجربة الطعام

البلاد١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٤ ص0 مشاهدة
من مطاعم الأحياء إلى الفخامة: ثورة الحلال في باريس تُعيد تعريف تجربة الطعام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من الشعبي للراقي.. كيف يتغيّر مشهد مطاعم الحلال في باريس؟" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على بعد خطوات من جادة الشانزليزيه الشهيرة، اختارت دنيا افتتاح مطعمها "أمازونيا" بعد انتهاء قيود جائحة كورونا، مستفيدة من موقعه الاستراتيجي في قلب باريس والطلب المتزايد على تجارب طعام حلال مميزة. يتجاوز مطعمها المفهوم التقليدي للحلال الذي ارتبط لعقود بالوجبات السريعة وأطباق المطاعم الشعبية في فرنسا، ليقدم المطبخ الفرنسي بنكهات لاتينية في أجواء راقية وخالية من المشروبات الكحولية. وتشير دنيا إلى أن فكرة المطعم انبثقت من وجود "طلب ملح على خيار حلال عالي الجودة"، وأن موقعه بالقرب من الشانزليزيه يجعله وجهة مفضلة لزبائن من دول الخليج والشرق الأوسط، بالإضافة إلى زوار من أوروبا وآسيا وأميركا. يمثل هذا التحول نقلة واضحة، حيث لم يعد الحلال في باريس مقتصرًا على مطاعم الأحياء والوجبات السريعة، بل بدأ يفرض نفسه بقوة في سوق المطاعم الفاخرة.

لعقود طويلة، ارتبط الطعام الحلال في فرنسا بالمطاعم الشعبية ومقاهي الأحياء والوجبات السريعة، كخيار يلبي المتطلبات الدينية للمستهلك المسلم. لكن المشهد شهد تغيرًا تدريجيًا في السنوات الأخيرة مع ظهور مطاعم تسعى لتقديم تجربة مختلفة: أطباق فرنسية راقية، ديكور أنيق، خدمة متكاملة، ومواقع في مناطق سياحية حيوية، مع الالتزام بمعايير الحلال. في مطعم "أمازونيا"، لا يقتصر الأمر على تعديل مكونات الأطباق لتصبح حلالًا، بل يمتد إلى تقديم تجربة باريسية شاملة. تقول دنيا: "هدفنا هو تقديم تجربة باريسية أصيلة في أجواء أنيقة، مع مأكولات فرنسية راقية ممزوجة بنكهات أميركا اللاتينية"، مع ضمان أن يتمكن الزبائن الملتزمون بالشريعة الإسلامية من الاستمتاع بهذه التجربة. وبذلك، يتحول الحلال من مجرد شرط في الطعام إلى جزء أساسي من هوية تجربة المطعم بأكملها.

عندما يحل الموكتيل محل النبيذ، لا يقتصر التغيير على قائمة الطعام فحسب. ففي المطاعم الحلال الراقية، أصبح غياب الكحول لا يعني غياب المشروبات المصاحبة للتجربة الفاخرة. تتجه هذه المطاعم إلى تقديم الموكتيلات، وهي مشروبات غير كحولية تُعد بعناية، بالإضافة إلى خلاصات نباتية، وأنواع مميزة من الشاي، وعصائر مصفاة، ومكونات أخرى مصممة لتكون جزءًا من تجربة الطعام. وعلى صعيد المأكولات، تسعى بعض المطاعم لتقديم نسخ حلال من أطباق فرنسية كلاسيكية مثل كبد الأوز والصلصات المركزة وصدر البط، إلى جانب أطباق مستوحاة من المطابخ الآسيوية واللاتينية والعربية. النتيجة هي صيغة جديدة تجمع بين الفخامة الباريسية ومتطلبات المستهلك المسلم.

يعكس هذا التحول في المشهد الفرنسي ديناميكية مزدوجة تتمثل أولاً في اندماج النخب الفرنسية ذات الأصول المسلمة مع الثقافة الفرنسية، مع التمسك بمبادئها الدينية. بفضل جيل جديد من المسلمين المولودين في فرنسا، اضطرت السوق للتكيف. هؤلاء هم مديرو تنفيذيون ورواد أعمال ومهنيون شباب يتمتعون بقوة شرائية معتبرة، ويرغبون في التوفيق بين هويتهم الثقافية والدينية وأسلوب حياة عصري وراقٍ. بالنسبة لهم، يعد الذهاب إلى المطعم تجربة اجتماعية يجب أن تتوافق مع معايير الفخامة الباريسية. كما يعكس هذا التحول جاذبية باريس لرؤوس الأموال والسياح من الدول العربية والمسلمة، خصوصًا منطقة الخليج، مما أدى إلى الانتشار السريع لهذه المطاعم المرموقة، حيث توفر لهم تجربة فرنسية مميزة تضاهي مستوى الخدمات التي يتمتعون بها في مدنهم الكبرى. تقول دنيا: "يُعدّ اكتشاف المطبخ الفرنسي وأسلوب الحياة الفرنسي مع الاستمتاع بخيارات حلال ميزةً حقيقية". ويضيف زبائن مطعمها أنهم "لا يأتون فقط من أجل الطعام الحلال، بل يبحثون أيضًا عن الأجواء والتجربة والمأكولات والموقع".

لا يقتصر إقبال المسلمين، سواء كانوا فرنسيين أو مقيمين أو زوارًا، على مطاعم الحلال الراقية على شريحة معينة، إذ تؤكد دنيا أن مطعم "أمازونيا" يشهد وجودًا ملحوظًا "للزبائن الفرنسيين غير المسلمين". وينطبق هذا على أغلبية مطاعم الحلال واستهلاك المنتجات الحلال بشكل عام. فوفقًا لمعهد سوليس المتخصص، من بين 10 ملايين مستهلك منتظم للمنتجات الحلال في فرنسا، قرابة 3 ملايين ليسوا مسلمين، ودافعهم هو البحث عن مصادر عالية الجودة بغض النظر عن الاعتبارات الدينية. وتفرض السوق قواعدها حسب العرض والطلب، حيث يشهد قطاع المطاعم ذات الطابع الخاص (ومنها مطاعم الحلال) نموًا سنويًا ثابتًا بنسبة 5% حسب معهد سوليس. وأكبر دليل على صعود نجم المطاعم الحلال هو مضاعفة سلسلة مطاعم "كويك" للوجبات السريعة لحجم مبيعاتها في غضون 3 سنوات (من 250 مليون يورو إلى 515 مليون يورو) بعد شروعها في تقديم الوجبات الحلال.

يعتبر انتشار رقعة الحلال في قطاع المطاعم الفخمة تطورًا طبيعيًا لما تشهده سوق الحلال بشكل عام من نمو ملحوظ، خصوصًا خلال العقد الأخير. يقدر حجم مبيعات المنتجات الحلال في فرنسا في عام 2025 بين 7 و 12 مليار يورو، مقارنة بـ 5.5 مليار يورو في عام 2010، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 27% في غضون 15 عامًا. ويشتري ما يقرب من 12 مليون أسرة فرنسية بانتظام منتجات حلال، والرقم في ازدياد مستمر. وفي محلات التسوق الكبرى، قفزت مبيعات المنتجات الحلال بنسبة 14.7% خلال العامين الماضيين. لا يعني هذا التحول أن المطاعم الحلال أصبحت مهيمنة على المشهد الفرنسي، لكنه يكشف عن تغير في موقعها داخل السوق. وهذا التحول يضع الحلال أمام سوق جديدة، لا تبيع الطعام فقط، بل تبيع أيضًا المكان والأجواء والخدمة والتجربة، لتصبح الفخامة نفسها جزءًا من معادلة الحلال في العاصمة الفرنسية.

شارك الخبر: