روما مدينة مفتوحة: ملحمة سينمائية ولدت من رحم الحرب والمعاناة


هذا الخبر بعنوان "Rome Open City .. ملحمة السينما الحية التي وُلدت من رحم الرماد" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعرض مهرجان الجونة السينمائي في دورته التاسعة فيلم "Rome Open City" ضمن العروض الخاصة، تكريماً لروبرتو روسيليني. يروي الفيلم قصة روما تحت الاحتلال النازي، مسلطاً الضوء على المقاومة وصراع شخصيات مثل مانفريدي وبينا والأب دون بيترو وفرانشيسكو في ظل الخيانة والمطاردات. تتصاعد الأحداث لتكشف عن مأساة الخيانة التي تقودها مارينا، ومداهمات الألمان، ومقتل بينا، وتعذيب مانفريدي والكاهن. اللافت في الفيلم هو تصويره بإمكانيات محدودة، وباستخدام ممثلين غير معروفين، وعلى أشرطة تالفة، مما منح القيود صدقاً وفرادة فنية استثنائية.
يُعد أداء آنا مانياني بدور "بينا" من أبرز ما يميز الفيلم، حيث أضافت لمسات إنسانية عميقة. لقد أسس هذا العمل للواقعية الإيطالية ووضعها على خريطة السينما العالمية.
عندما تُصنع السينما من العدم تقريباً، ومن بقايا أشرطة تالفة وأحلام بعيدة المنال في أيام الحرب الأخيرة، فإن النتيجة تتجاوز مجرد فيلم لتصبح قطعة من الروح البشرية، عارية وصادقة. هذا هو بالضبط ما قدمه روبرتو روسيليني في تحفته الخالدة "Rome Open City" (1945)، والذي يُعرض ضمن العروض الخاصة تكريماً لمخرجه العبقري في الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي ضمن البرنامج الخاص.
تبدأ القصة في قلب روما التي تعاني من الاحتلال النازي؛ حيث يفر جورجيو مانفريدي، أحد قادة المقاومة، من نافذة شقته هرباً من قبضة الألمان. يجد مانفريدي ملجأً لدى رفيقه فرانشيسكو وخطيبته الحامل، بينا. على الرغم من ترددها الأولي، تتحول بينا إلى حامية له بعد أن تدرك خطورة وضعه، وتتولى ترتيب أمور اختبائه بمساعدة الأب دون بيترو، الكاهن المحلي الذي يخفي وراء عباءته الروحية قلباً ينبض بالمقاومة وشجاعة نادرة.
لكن شبح الخيانة يلوح في الأفق؛ فمارينا، حبيبة مانفريدي السابقة، وهي مغنية ملهى تعاني من إدمان الأفيون، تبيع أسراراً صغيرة للجيش الألماني مقابل المال. وعندما تكشف شقيقة بينا بالخطأ عن مكان اختباء مانفريدي في منزلهم، تقود الغيرة العمياء مارينا إلى إبلاغ الـ Gestapo، مما يؤدي إلى مداهمة شرسة في صباح يوم الزفاف المنتظر.
هنا، يتدفق الفيض الإنساني بكل تناقضاته؛ فالرجال يُهربون عبر القبو بينما تُحدث النساء فوضى عارمة لإلهاء الجنود. ينجح الأب دون بيترو في إخفاء المتفجرات بمساعدة الطفل مارتشيلو، لكن المأساة تقع حين يُقبض على فرانشيسكو. تجري بينا خلف الشاحنة صارخة بألم ممزق قبل أن تخترقها رصاصات الغدر بينما يقف خطيبها عاجزاً عن الحركة. ورغم نجاح المقاومة لاحقاً في تحرير فرانشيسكو، تنقلب الأمور مجدداً بسقوط مانفريدي والأب دون بيترو في قبضة المحتلين إثر وشاية جديدة من مارينا التي يعصف بها ندم شديد.
يتعرض مانفريدي لليلة قاسية من التعذيب الوحشي بحضور الكاهن، في اختبار قاسٍ للكرامة الإنسانية، حيث يُجبر كلاهما على اختيار الموت صامتاً قبل بزوغ الفجر.
ما يجعل الفيلم فريداً وبعيداً عن الميلودراما المبتذلة هو صدق روسيليني وفرادته الفنية. لقد صُوّر الفيلم بأقل الإمكانيات في أواخر الحرب العالمية الثانية، مستخدماً ممثلين غير هادفين للنجومية وثلاثة أنواع مختلفة من الأفلام التالفة التي جُمعت من السوق السوداء. هذه القيود لم تكن عقبة، بل كانت مفتاح الإبداع الذي أتاح للممثلين التألق بحرية مطلقة. وتبرز آنا مانياني بوضوح ساحر بدور "بينا"؛ فرغم ظهورها في مشاهد معدودة، تسرق الكاميرا بعفويتها وقوتها كأم حنونة ومقاتلة شرسة، بجانب لحظاتها الإنسانية الدافئة والعميقة مع فرانشيسكو أو الكاهن. ولا يخلو العمل من لمسات خفيفة من السوم الإنساني، كمشهد الأب دون بيترو وهو يدير تمثال فينوس بوجهه لئلا ينظر إليه، أو ارتباك الطفل مارتشيلو حين يخشى غضب أمه بينا أكثر من خشيته للنازيين أنفسهم. بينما مهدت أفلام أخرى للطريق، إلا أن "Rome Open City" هو العمل الحقيقي الذي وضع السينما الواقعية الإيطالية على خريطة العالم، مذكراً إياناً بأن الفن الحقيقي يولد دائماً حين تتلاشى الزخارف ويبقى الإنسان عارياً أمام قدره.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة