البحرين
ثقافة

فيلم "جوريا": ضحكات جورجية في وجه انهيار الإمبراطورية السوفيتية

البلاد١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٢ م0 مشاهدة
فيلم "جوريا": ضحكات جورجية في وجه انهيار الإمبراطورية السوفيتية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "Guria.. حين يضحك الجورجيون في وجه انهيار الإمبراطورية السوفيتية" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يستعرض الفيلم الجورجي "Guria" للمخرج ليفان كوجواشفيلي، الذي تدور أحداثه في قرية نائية بمرتفعات غرب جورجيا عام 1992، مزيجاً فريداً من الكوميديا السوداء والحنين إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد عُرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي ويمثل جورجيا في سباق الأوسكار.

يستند العمل إلى ذكريات الطفولة للكاتب جيورجي كيكيليدزي، بسيناريو بوريس فرومين، ويتتبع الفيلم شخصيات متنوعة مثل زوريكو، مزارع البندق، وممرضة، ولصوص، ومدرسة، في مواقف عبثية تكشف عن قسوة الواقع وقدرة الإنسان على التكيف.

يبرز اختيار الأبيض والأسود كعنصر بصري أساسي يعمق الإحساس بالعزلة والانقطاع، بينما تمنح التراتيل والألحان الشعبية الجورجية دفئاً وهوية جماعية وسط ظروف التفكك.

على الرغم من مناقشة بعض الإطالة في التفاصيل الجانبية مع مدة تقارب الساعتين، إلا أن هذه التفاصيل تُعتبر منسجمة مع إيقاع الحياة في القرية، ويُقارن الفيلم في روحه بأعمال أوتار إيوسيلياني وأكي كاوريسماكي.

عُرض الفيلم عالمياً لأول مرة في قسم Venice Spotlight بمهرجان البندقية 2026، كما عُرض ضمن الدورة التاسعة من مهرجان الجونة كأول عرض له في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في قرية نائية بمرتفعات غرب جورجيا، حيث يلف الضباب الغابات والطرقات، وتبدو الحياة وكأنها عالقة في زمن آخر، تنكشف أمامنا صورة مجتمع يحاول التمسك بما تبقى له من حياة وسط الفقر وانقطاع الكهرباء والفوضى التي خلفها انهيار الاتحاد السوفيتي. هنا، في عام 1992، لا تبدو المأساة بحاجة إلى مشاهد بكاء أو خطابات طويلة عن الخسارة، فالتفاصيل اليومية وحدها كافية لرسم صورة مرحلة مضطربة، تتداخل فيها قسوة الواقع مع مواقف عبثية تدفع إلى الضحك بقدر ما تترك في النفس شيئاً من الألم.

من هذه البيئة الاستثنائية ينطلق فيلم Guria للمخرج الجورجي ليفان كوجواشفيلي، الذي يمثل بلاده في سباق الأوسكار وعُرض في مهرجان الجونة السينمائي، مقدماً عملاً يمزج الكوميديا السوداء بالحنين إلى الماضي، ويستعيد السنوات الأولى التي أعقبت تفكك المنظومة السوفيتية من زاوية إنسانية بعيدة عن المعالجة التقليدية. فبدلاً من الاكتفاء برصد الفقر والانهيار الاجتماعي، يختار المخرج الاقتراب من الناس أنفسهم، ومن طرائقهم الغريبة في مواجهة الحياة، وكيف تتحول أبسط الاحتياجات إلى معارك يومية، بينما يظل الضحك وسيلة لا غنى عنها للتعايش مع واقع لا يقدم الكثير من الأسباب للتفاؤل.

ويعود كوجواشفيلي بهذا العمل إلى الأجواء التي أتاحت له بناء عالم سينمائي خاص، بعد النجاح الذي حققه فيلمه "برايتون 4"، مؤكداً اهتمامه بالشخصيات التي تعيش على هامش التحولات الكبرى، لكنها تتحمل في حياتها اليومية نتائجها الأكثر قسوة. وفي «جوريا»، لا يتعامل المخرج مع الريف الجورجي باعتباره مجرد خلفية لحكاية عن مرحلة تاريخية، بل يجعله مساحة نابضة بالتناقضات، حيث تتجاور المعاناة مع السخرية، وتصبح غرابة المواقف جزءاً طبيعياً من حياة اعتادت التعامل مع المستحيل.

ويستند الفيلم إلى ذكريات الطفولة التي وثقها الكاتب الجورجي جيورجي كيكيليدزي، فيما تولى بوريس فرومين كتابة السيناريو، مستعيداً تفاصيل الحياة في قرية تبدو فيها الفوضى أشبه بنظام يومي لا يستطيع أحد تغييره. فالكهرباء تنقطع باستمرار، والإمكانات محدودة إلى حد بعيد، فيما تتسع المسافة بين احتياجات السكان وما يستطيعون الحصول عليه. وفي عالم كهذا، يصبح امتلاك محضر طعام أمراً يستحق الاهتمام، خصوصاً عندما يكون مثبتاً على سقف سيارة قديمة، في تفصيل يلخص عبثية الحياة ومفارقاتها أكثر مما تفعل عشرات المشاهد المباشرة.

وفي قلب هذا العالم يقف زوريكو، مزارع البندق الذي يحاول بيع محصوله في مواجهة مشترين لا يبدون اكتراثاً كبيراً بجهده أو بظروفه. إنه رجل صلب، يواصل العمل رغم ضيق الحال، لكنه يجد نفسه محاصراً أيضاً بعادات المجتمع المحلي وتدخلاته، وفي مقدمتها طقوس التوفيق بين العرسان التي تلاحقه وتفرض عليه جانباً آخر من الضغوط. ومن خلال هذه الشخصية، يرسم الفيلم ملامح إنسان لا يملك رفاهية الانشغال بالأفكار الكبرى، لأن تفاصيل يومه العادي تستنزف معظم طاقته، ومع ذلك لا يتخلى عن محاولاته المستمرة للعثور على مساحة من الاستقرار.

ولا يكتفي السيناريو بتتبع حكاية زوريكو، بل يفتح الباب أمام سلسلة من الشخصيات والمواقف التي تبدو للوهلة الأولى منفصلة، قبل أن تتجمع لتصنع صورة متكاملة عن المجتمع الذي تدور فيه الأحداث. هناك ممرضة تحاول تدبير الطاقة اللازمة لتشغيل مولد كهربائي حتى تتمكن من إجراء عملية جراحية، وكأن إنقاذ حياة إنسان بات مرتبطاً بقدرة الآخرين على توفير الكهرباء. وفي مكان آخر، يسعى لصوص محليون إلى الحصول على المورفين لإنقاذ رفيقهم المصاب، في مفارقة تجمع بين عالم الجريمة والحاجة الإنسانية، بينما تنشغل مدرسة بإجراء تدريبات متكررة على كيفية التعامل مع القنابل، في إشارة إلى أن الخطر لم يعد حدثاً استثنائياً، بل احتمالاً حاضراً في تفاصيل الحياة.

وحتى المسابقات المحلية لا تسلم من هذه الروح العبثية التي تسكن الفيلم؛ إذ تتضمن مسابقة لجمال الفتيات في القرية نقاطاً إضافية لمن تتمكن من الإمساك بماشية هاربة. إنها واحدة من تلك التفاصيل التي تبدو غريبة عند النظر إليها من الخارج، لكنها تنسجم تماماً مع عالم Guria حيث لا توجد حدود واضحة بين الطريف والمأساوي، وحيث تفرض الظروف على الناس ابتكار وسائلهم الخاصة للترفيه والتنافس وإضفاء شيء من الحيوية على أيامهم الرتيبة.

وتكمن قوة هذه المشاهد في أن المخرج لا يقدمها بوصفها نكاتاً منفصلة أو استعراضاً لغريب الشخصيات، وإنما يجعلها جزءاً من نسيج الحياة نفسها. فالشخصيات لا تتوقف لتشرح مأساتها، ولا تتعامل مع واقعها باعتباره مادة تستحق الشفقة، بل تواصل العيش بما يتوافر لديها من إمكانات، حتى عندما تبدو تلك الإمكانات غير كافية لأبسط متطلبات الحياة. ومن هنا تنبع الكوميديا السوداء في الفيلم؛ فهي لا تسخر من الفقراء أو من معاناتهم، بل تكشف التناقضات التي تجعل الحياة في ظروف قاسية قادرة على إنتاج مواقف مضحكة ومؤلمة في الوقت نفسه.

أما على المستوى البصري، فيمنح اختيار الأبيض والأسود الفيلم واحدة من أبرز نقاط قوته، إذ يبتعد كوجواشفيلي عن الألوان الصاخبة ليقدم عالماً تتشكل ملامحه من الضوء والظلال والضباب. وتتحول الغابات الرطبة والطرقات الموحلة والمباني المتداعية وقاعات المؤسسات التي فقدت بريقها إلى صور سينمائية تحمل في تفاصيلها إحساساً بالعزلة والانقطاع عن العالم. ويمنح هذا الأسلوب المشاهد فرصة للتأمل في المكان، فلا تبدو القرية مجرد فضاء جغرافي، بل ذاكرة بصرية لمرحلة تاريخية تتداخل فيها آثار الماضي مع ملامح حاضر لم يستقر بعد.

وتستحضر هذه المعالجة، في بعض جوانبها، روح السينما الجورجية لدى أوتار إيوسيلياني، كما تذكر باقتصاد الصورة والقدرة على التقاط المفارقات الإنسانية في أعمال المخرج الفنلندي أكي كاوريسماكي. ومع ذلك، يحتفظ Guria بخصوصيته، إذ لا يعتمد على الصورة وحدها في بناء عالمه، بل يوازن بينها وبين تفاصيل الحياة اليومية، مانحاً شخصياته مساحة للتصرف والتعبير بعيداً عن المبالغة الدرامية. ويأتي الأبيض والأسود هنا أكثر من مجرد اختيار جمالي؛ فهو ينسجم مع طبيعة المرحلة التي يستعيدها الفيلم، ومع شعور سكان القرية بأنهم يعيشون بين عالمين، أحدهما ينهار أمام أعينهم، والآخر لم تتضح معالمه بعد. وفي غياب الألوان، تبرز الوجوه وتفاصيل المكان وحركة الأجساد، بينما تكتسب المشاهد العادية كثافة إضافية تجعلها أقرب إلى صور عالقة في الذاكرة.

وعلى النقيض من قسوة المشاهد البصرية، تمنح التراتيل والألحان الشعبية الجورجية الفيلم دفئاً واضحاً، وتعيد إلى الشخصيات شيئاً من هويتها الجماعية وسط التفكك الذي يحيط بها. فالموسيقى لا تأتي لتخفيف حدة المأساة بصورة مصطنعة، بل لتؤكد أن هناك ما يستمر رغم انهيار المؤسسات وتراجع الظروف المعيشية، وأن الثقافة والعادات والروابط الإنسانية تظل حاضرة حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

وهكذا تتحول التفاصيل الصغيرة، من لقاءات السكان إلى محاولاتهم المتكررة لتجاوز أزماتهم، إلى شهادة على قدرة الإنسان على التكيف، لا لأنه اعتاد المعاناة بالضرورة، بل لأنه لا يملك دائماً خياراً آخر. ومع امتداد الفيلم لنحو ساعتين، قد يشعر المشاهد أحياناً بأن بعض التفاصيل الجانبية تطيل الحكاية أكثر مما تحتاج إليه، خصوصاً مع انتقال الأحداث بين الشخصيات والمواقف المتعددة. غير أن هذا التمهل يبدو منسجماً إلى حد بعيد مع طبيعة العالم الذي يرسمه كوجواشفيلي؛ فالحياة في هذه القرية لا تسير وفق إيقاع درامي سريع، ولا تقود كل حادثة بالضرورة إلى نتيجة واضحة. إنها أيام تتكرر فيها الأزمات، وتتعطل فيها الخطط، وتظل فيها الحلول مؤقتة، فيما يمضي السكان من مشكلة إلى أخرى من دون أن تتاح لهم فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس.

ولا يحاول المخرج تحويل شخصياته إلى نماذج كاريكاتيرية لمجتمع غارق في الفوضى، بل يمنحها قدراً من الكرامة والتعقيد، ويترك للمشاهد فرصة اكتشاف ما وراء تصرفاتها الغريبة. فهؤلاء ليسوا مجرد أشخاص يعيشون على هامش التاريخ، وإنما بشر لديهم رغباتهم ومخاوفهم وأحلامهم، ويتمسكون بحقهم في الحب والفرح، حتى عندما تبدو الظروف المحيطة بهم مصممة لإحباط أي محاولة للخروج من دائرة البؤس.

ومن هذه الزاوية، لا يقدم Guria حكاية عن انهيار الاتحاد السوفيتي بقدر ما يتأمل ما يتركه انهيار الأنظمة الكبرى في حياة الناس العاديين. فالتاريخ الذي يظهر في الكتب بوصفه تحولات سياسية واقتصادية واسعة، يتجسد هنا في انقطاع الكهرباء، وصعوبة العمل، وتعثر الحصول على الاحتياجات الأساسية، والقلق الذي يرافق كل يوم. وما ينجح الفيلم في التقاطه هو تلك المسافة بين الحدث التاريخي الضخم وأثره البسيط والقاسي في حياة فرد يحاول بيع محصوله، أو ممرضة تبحث عن مصدر للطاقة، أو عائلة تتشبث بما تبقى من استقرارها.

Guria فيلم يختار الضحك في مواجهة الانكسار، لكنه لا يستخدمه لإخفاء الألم أو التقليل من حجم الخسارة. إنه عمل تتجاور فيه السخرية مع الحنان، والعبث مع الشجن، وتبدو فيه الشخصيات قادرة على انتزاع لحظات من الحياة حتى من قلب الظروف الأكثر قسوة. وبأسلوبه البصري الهادئ وشخصياته التي لا تخلو من الغرابة والدفء، يقدم ليفان كوجواشفيلي تجربة سينمائية تحتفي بقدرة الإنسان على الاحتمال، وتبحث عن الضوء في مكان يبدو أن الظلام قد استقر فيه طويلاً. إنها حكاية عن مجتمع فقد كثيراً من يقينه بالمستقبل، لكنه لم يفقد تماماً قدرته على الضحك، ولا رغبته في مواصلة الحياة.

عُرض الفيلم لأول مرة عالمياً في قسم Venice Spotlight ضمن فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي 2026، وعُرض ضمن الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي (العرض الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

شارك الخبر: