أزمة مالية تهدد جامعات بريطانية عريقة: هل تقترب نهاية عصر ذهبي للتعليم العالي؟


هذا الخبر بعنوان "جامعات بريطانيا تواجه الإفلاس.. هل تنهار إمبراطورية التعليم؟" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه مؤسسات تعليمية بريطانية مرموقة تحديات مالية متزايدة، مما يثير قلقاً بالغاً بشأن استدامتها المستقبلية. يعود هذا الوضع إلى تراجع الدعم الحكومي، وارتفاع تكاليف التشغيل، والضغوط المتزايدة على إيرادات الطلاب الدوليين. وقد اضطرت بعض الجامعات إلى تقليص برامجها ووظائفها الأكاديمية، بينما تبحث أخرى عن الاندماج لتجنب الانهيار المالي.
تثير هذه التطورات مخاوف جدية حول مستقبل قطاع التعليم العالي في المملكة المتحدة، الذي يُعد ركيزة أساسية للقوة الاقتصادية والعلمية للبلاد. وتشير التحذيرات إلى انعكاسات سلبية محتملة على البحث العلمي والقدرة على جذب الطلاب والكفاءات العالمية.
تحذيرات من خروج جامعات من السوق
على الرغم من أن الجامعات البريطانية لا تزال تحتل مكانة رائدة عالمياً، إلا أن الضغوط المالية تثير تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على تنافسيتها. فقد تراجع عدد الجامعات البريطانية المصنفة ضمن أفضل 200 جامعة عالمياً إلى 25 جامعة هذا العام، وفقاً لتقارير إعلامية. كما انخفضت منحة الأولويات الاستراتيجية للتعليم العالي بأكثر من 50 مليون جنيه إسترليني، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل والبحث العلمي.
وتشير وثيقة صادرة عن مكتب شؤون الطلاب بمجلس العموم البريطاني إلى احتمال خروج 24 مؤسسة تعليمية من السوق خلال العام الحالي، مع تعرض 26 مؤسسة أخرى لمخاطر مماثلة في المستقبل القريب. وتواجه الجامعات ضغوطاً إضافية بسبب تراجع الطلب على تأشيرات الدراسة، مما يهدد إيرادات الرسوم الدراسية التي تعتمد عليها العديد من المؤسسات لتعويض نقص تمويل تعليم الطلاب المحليين.
كمؤشر على حجم التحديات، أعلنت جامعتا غرينتش وكينت في أغسطس الماضي عن ترتيبات للاندماج في محاولة لمواجهة الضغوط الاقتصادية وتعزيز الاستدامة المالية.
هل تدفع الجامعات ثمن السياسات الحكومية؟
يرى خبير الاقتصاد السياسي أحمد ياسين أن الأزمة الحالية تعكس مشكلات اقتصادية متراكمة على مدى سنوات، بالإضافة إلى تداعيات قرارات حكومية تتعلق بالتمويل والهجرة. وأشار إلى أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يعاني آثار الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وأن الضغوط على المالية العامة انعكست على قطاعات متعددة، بما في ذلك التعليم العالي.
وأضاف ياسين أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أدى إلى اضطراب في علاقات التمويل والتعاون البحثي التي كانت تستفيد منها الجامعات سابقاً. وأوضح أن الجامعات ومراكز الأبحاث كانت تعتمد على برامج تعاون وتمويل أوروبية، وأن التغييرات التي أعقبت خروج بريطانيا أثرت على مواردها المالية. كما انتقد عدم نجاح الحكومات البريطانية المتعاقبة في استثمار الفرص الاقتصادية التي كان يمكن أن يوفرها الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقابل استمرار تأثير تداعياته على المؤسسات التعليمية.
الطلاب الأجانب.. مصدر تمويل تحت الضغط
ركز ياسين على اعتماد الجامعات البريطانية على الرسوم الدراسية للطلاب الدوليين، معتبراً أن تشديد سياسات الهجرة وزيادة الأعباء المالية المرتبطة بالدراسة قد أضعف قدرة الجامعات على جذب المزيد منهم. وأكد أن الطلاب الدوليين يمثلون مصدراً مهماً للإيرادات، ليس للجامعات فحسب، بل للاقتصادات المحلية في المدن التي تستضيف هذه المؤسسات. وانتقد ياسين التعامل مع الطلاب الأجانب من منظور سياسات الهجرة العامة، داعياً إلى التمييز بين القادمين للدراسة وفئات الوافدين الأخرى، مشيراً إلى أن هؤلاء الطلاب يساهمون في تمويل الجامعات ويمكن أن يشكلوا مورداً مهماً للمهارات والخبرات التي يحتاجها الاقتصاد البريطاني.
مخاوف من تراجع المكانة العالمية
حذر ياسين من أن استمرار الأزمة المالية قد يضعف القدرة التنافسية للجامعات البريطانية، ويدفع بعض المؤسسات إلى تقليص أنشطتها الأكاديمية والبحثية. وأشار إلى تزايد المنافسة الدولية على استقطاب الطلاب، مع توسع مؤسسات تعليمية أجنبية في تقديم برامجها داخل بريطانيا وخارجها. واعتبر أن تراجع الجامعات لا يقتصر أثره على قطاع التعليم، بل يمتد إلى المكانة العلمية والثقافية للمملكة المتحدة وعلاقاتها الدولية، بما في ذلك دول الكومنولث. وأكد أن الجامعات البريطانية شكلت تاريخياً إحدى أبرز أدوات التأثير الثقافي والعلمي للبلاد، وأن إضعاف قدرتها على استقطاب الطلاب والباحثين قد ينعكس سلباً على هذا الدور.
الاندماج أم الإفلاس؟
فيما يتعلق بمستقبل المؤسسات التعليمية المتعثرة، توقع ياسين مزيداً من عمليات إعادة الهيكلة والاندماج بين الجامعات في بريطانيا. وأوضح أن المؤسسات التي تفتقر إلى الموارد المالية الكافية قد تواجه صعوبات في الاستمرار، بينما قد تجد أخرى في الاندماج وسيلة لتقليص النفقات وتجنب الإفلاس. لكنه حذر من أن هذه التحولات قد تؤثر على الهوية التاريخية لبعض الجامعات وبرامجها الأكاديمية.
ودعا الحكومة البريطانية إلى مراجعة سياساتها المتعلقة بالطلاب الدوليين، وتوفير بيئة أكثر جاذبية لهم، بالإضافة إلى إعادة النظر في آليات تمويل التعليم العالي. ورأى أن استمرار الضغوط المالية دون معالجة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الجامعات الكبرى ذات الموارد القوية والمؤسسات الأقل قدرة على تحمل الأزمات.
وبين تراجع التمويل وارتفاع التكاليف وتزايد المنافسة الدولية، تواجه بريطانيا تحدياً يتجاوز إنقاذ الجامعات المتعثرة، ليطال قدرتها على الحفاظ على مكانتها كإحدى أبرز الوجهات العالمية للتعليم والبحث العلمي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد