البحرين
صحة

الدكتور أكبر محسن: ريادة تشخيص السكلر وتطوير طب الأطفال في البحرين منذ 1971

البلاد٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٦ م0 مشاهدة
الدكتور أكبر محسن: ريادة تشخيص السكلر وتطوير طب الأطفال في البحرين منذ 1971

تنويه

هذا الخبر بعنوان "د.أكبر محسن: كنت أول من شخّص مرض “السكلر” في البحرين بالعام 1971" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يستعرض الدكتور أكبر محسن، أحد رواد طب الأطفال وأمراض الدم وأورام وسرطان الأطفال في مملكة البحرين، مسيرته الطبية الحافلة بالإنجازات التي بدأت في مطلع سبعينات القرن الماضي. في حوار خاص مع “صحتنا”، يروي الدكتور محسن تفاصيل تجربته الرائدة في تشخيص مرض فقر الدم المنجلي (السكلر) وإجراء المسوح الميدانية للكشف عن انتشاره، بالإضافة إلى جهوده في تأهيل الكوادر الطبية البحرينية وتطوير التخصصات الدقيقة في طب الأطفال. كما يتطرق إلى تعاونه المثمر مع الدكتور علي فخرو في برامج الصحة العامة ومكافحة الأمراض المعدية، وتوسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية الأولية، بالإضافة إلى مبادرة إنسانية بتأسيس دار لرعاية الأطفال مجهولي الوالدين.

العودة إلى البحرين وبداية المسيرة

بدأت علاقتي المهنية بالطب في البحرين عام 1971، عقب عودتي من الولايات المتحدة الأميركية حيث أكملت دراستي وتخصصي الطبي. حصلت على بكالوريوس العلوم ثم شهادة دكتور في الطب، ودرست طب الأطفال لمدة سنتين في الجامعة الأميركية في بيروت. بعدها، انتقلت إلى الولايات المتحدة لمواصلة التخصص في طب الأطفال، ثم تخصصت في أمراض الدم وأورام وسرطان الأطفال بجامعة ميزوري. ورغم أن البرنامج التخصصي كان يمتد لثلاث سنوات، إلا أنني لم أقضِ هذه المدة متواصلة، حيث كانت هناك حاجة لوجودي في البحرين لدعم الدكتور علي فخرو. اتفقنا على تنظيم فترة الدراسة والعمل بما يتيح لي استكمال التأهيل والمساهمة في تطوير الخدمات الطبية بالمملكة.

واقع قسم الأطفال وبداية بحرنة التخصص

عند عودتي، كان الدكتور إبراهيم يعقوب يستعد للانتقال لمنصب إداري، فتوليت رئاسة قسم الأطفال واستشاريًا في مستشفى السلمانية. كان القسم يعتمد بشكل كبير على الأطباء الهنود، بينما كان عدد الأطباء البحرينيين محدودًا وفي بداية مسيرتهم المهنية. كان الدكتور علي فخرو معلمي ومثلي الأعلى، وكان يؤمن بأهمية بحرنة الوظائف. وعندما تحدثت معه عن ذلك، قال لي: “أنت تتحدث عن البحرنة، وأنا سأعمل على بحرنة قسم الأطفال”. ومن هنا، انطلقت جهودنا لإعداد أطباء بحرينيين مؤهلين قادرين على تولي المسؤولية في مختلف تخصصات طب الأطفال.

برامج تأهيل الأطباء والبورد العربي

لتحقيق مشروع بحرنة قسم الأطفال، استفدنا من برنامج تدريبي في الكويت يمنح دبلومًا في طب الأطفال بالتعاون مع جهة تعليمية في أيرلندا. أرسلنا طبيبين بحرينيين في كل دفعة، ثم ألحقنا بهما آخرين. لم يكن الدبلوم كافيًا، فطموحنا كان إعداد استشاريين بحرينيين بمؤهلات تخصصية متقدمة. لذا، شجعنا الأطباء على استكمال دراساتهم والحصول على شهادات المجلس العربي للاختصاصات الطبية. وبمرور الوقت، بدأنا نجني ثمار هذه الجهود، وأصبح لدينا أطباء بحرينيون مؤهلون في تخصصات دقيقة، قادرون على قيادة أقسامهم وتطوير الخدمات.

كانت فكرة المجلس العربي للاختصاصات الطبية من أفكار الدكتور علي فخرو، وقد ساعدته في جهود إنشائه. عملنا على تشجيع الأطباء البحرينيين على الالتحاق ببرامجه، بهدف ألا يقتصر تأهيلهم على طب الأطفال العام، بل أن يتخصصوا في المجالات الدقيقة. شجعناهم على اختيار تخصصات متعددة ضمن طب الأطفال، حتى أصبح لدينا استشاريون بحرينيون في أمراض القلب، والجهاز الهضمي، والروماتيزم، وأمراض الدم الوراثية، وحديثي الولادة والخدّج، وغيرها. كان هذا من أبرز المجالات التي أسهمت فيها مع الدكتور علي فخرو، وصولًا إلى تحقيق هدف بحرنة قسم الأطفال.

من أبرز الأطباء الذين أسهموا في بناء هذه التخصصات: الدكتورة فضيلة المحروس، والدكتور عبدالجبار العباسي، وفي تخصص أمراض القلب الدكتور عبدالنبي آل سيف والدكتور محمد نجيب السميعي. وفي تخصص حديثي الولادة والخدّج، كان لدينا الدكتور عبدالهادي محسن والدكتور محمد الرفاعي. وبرزت الدكتورة شيخة العريض في مجال أمراض الدم الوراثية، وتولت لاحقًا رئاسة جمعية الأمراض الوراثية، إلى جانب الدكتور حسين المخرق في أمراض الدم والأورام. كنا نؤمن بأن تطوير الخدمات الطبية يبدأ من إعداد الإنسان المؤهل، ولذلك لم تكن البحرنة بالنسبة إلينا مجرد استبدال موظفين، بل مشروع لتطوير الكفاءة الطبية والارتقاء بمستوى العلاج.

مواجهة الأمراض وتطوير الرعاية الصحية

كان الدكتور علي فخرو مهتمًا اهتمامًا كبيرًا بالصحة العامة، وكنا نسانده في تنفيذ البرامج الصحية المختلفة. طبقنا برنامجًا للتطعيم وفق نظام منظمة الصحة العالمية، وتمكنا من الوصول إلى تغطية تقارب 90% من الأطفال. كما واجهنا الكوليرا والملاريا، ونفذنا جهودًا لمكافحة البعوض والحد من انتشار الأمراض المعدية. واهتم الدكتور علي فخرو بتطوير المراكز الصحية، وعزز الدعم الكويتي خدمات الرعاية الصحية الأولية. وكان لمنظمة الصحة العالمية دور داعم في هذه الجهود، التي ساعدت على تحسين مستوى الخدمات الصحية المقدمة للسكان.

تشخيص “السكلر” لأول مرة

عند عودتي إلى البحرين عام 1971، لاحظت وجود حالات مرضية تتشابه أعراضها مع حالات فقر الدم المنجلي التي تعرفت إليها خلال دراستي في الولايات المتحدة. كان المرض موجودًا في البحرين، لكن كثيرًا من الحالات كانت تُشخّص على أنها فقر دم (أنيميا) دون تحديد طبيعته الوراثية. بحكم تخصصي في أمراض الدم لدى الأطفال، اشتبهت في أن بعض هذه الحالات مصابة بفقر الدم المنجلي، فأجريت الفحوصات اللازمة وتوصلت إلى التشخيص. أعتبر نفسي أول من شخّص هذا المرض في البحرين بصورة تخصصية عام 1971. بعدها، بدأت بنشر المعرفة الطبية المتعلقة بالمرض بين الأطباء والممرضات، وتوعيتهم بأعراضه وأهمية إجراء الفحوصات المناسبة.

خلال عملي في الولايات المتحدة، تعرفت على فقر الدم المنجلي بصورة أعمق في مركز متخصص، ودرست تأثير المرض في المصاب، والفرق بين الإصابة به وحمل صفته الوراثية، وعلاقته بالملاريا. وعندما عدت إلى البحرين، استفدت من هذه الخبرة في التعرف على الحالات وإجراء الفحوصات. تعاونت أيضًا مع طبيب أميركي يعمل في شركة أرامكو، وكان قد رصد أعدادًا كبيرة من الحالات في الأحساء، وتبادلنا المعلومات والمراسلات بشأن الحالات التي كنا نتابعها.

كنت أرجح وجود ارتباط تاريخي بين انتشار الصفة الوراثية للمرض والمناطق التي انتشرت فيها الملاريا، مثل مناطق في العراق والبصرة. فحمل صفة فقر الدم المنجلي قد يمنح قدرًا من الحماية من الملاريا، ولذلك يمكن أن تستمر هذه الصفة الوراثية عبر الأجيال في المجتمعات التي عرفت انتشار المرض. من المهم التأكيد أن فقر الدم المنجلي مرض وراثي وليس معديًا.

من العيادة إلى البحث العلمي

بادرت إلى إنشاء عيادة خاصة لمرضى فقر الدم المنجلي في مجمع السلمانية الطبي، وكانت تعمل خلال الفترة المسائية بتمويل حكومي. أنشأت سجلًا للحالات، وبدأنا متابعة المرضى وإجراء الفحوصات اللازمة، بما فيها فحوصات الهيموغلوبين. وضعنا برنامجًا للمصابين وحاملي الصفة الوراثية، ركز على التوعية بطبيعة المرض، والمخاطر الوراثية المرتبطة بزواج حاملي الصفة، وطرق التعامل مع الأعراض. كان هدفنا بناء منظومة متكاملة للرعاية، تشمل التشخيص والمتابعة والتثقيف الصحي.

عندما لاحظت كثرة الحالات، بدأت تسجيلها وجمع المعلومات الطبية المتعلقة بها، ومع تراكم البيانات، أصبحت لدي مادة علمية لإعداد بحث عن فقر الدم المنجلي. أجريت أيضًا أول إحصاء ومسح لمرضى فقر الدم المنجلي وحاملي صفته الوراثية في البحرين. اعتمدنا على فحص العائلات، إذ كنا نفحص المريض ووالديه، بهدف التعرف إلى أنماط انتقال المرض داخل الأسرة. أظهرت النتائج تركز الحالات في بعض المناطق، مثل النعيم والقلعة وعدد من القرى، وربطنا انتشار المرض فيها بوجود الملاريا تاريخيًا، بينما كانت أقل في مناطق أخرى، مثل الرفاع. ساعدتنا هذه المعلومات على فهم توزيع الحالات وتوجيه جهود التشخيص والعلاج والتوعية.

مع تطور العمل، أسهمنا في تأسيس جمعية معنية بأمراض الدم الوراثية، لتكون حلقة وصل بين المرضى والمجتمع والجهات الصحية. بدأنا تنفيذ مسوح داخل المدارس للكشف عن الحالات وتعزيز الوعي بالمرض. شكلنا لجانًا وفرق عمل مدرسية، ودربنا المشاركين على التعرف إلى الحالات التي تستدعي المتابعة الطبية، وألقينا محاضرات توعوية للطلاب. وهكذا، انتقل التعامل مع المرض من متابعة الحالات الفردية إلى جهود أوسع تشمل البحث العلمي والمسح المجتمعي والتوعية والرعاية المتخصصة.

تأسيس خدمات علاج أورام الأطفال

كان تخصصي يشمل أمراض الدم وأورام وسرطان الأطفال. في بداية عملي، كنت الطبيب الوحيد المتخصص في تشخيص أورام الأطفال وعلاجها، وأتولى متابعة مختلف أنواع السرطان لدى الأطفال. اعتمدنا على بروتوكولات علاجية من الولايات المتحدة الأميركية، وكنا على تواصل مستمر مع أساتذتي هناك للاستفادة من خبراتهم عند مواجهة حالات معقدة. كما استفدنا من بروتوكولات علاجية مستخدمة في فرنسا وألمانيا.

لم نكن نريد أن تبقى هذه الخدمة معتمدة على طبيب واحد، لذا عملنا على تدريب الأطباء البحرينيين وإرسالهم إلى الخارج لاستكمال تخصصاتهم. استفدنا من الخبرات الأجنبية في التعامل مع الحالات الصعبة وتطوير أساليب العلاج. من الأطباء الذين أسهموا في هذا المجال: الدكتورة خلود السعد، والدكتورة نجاة مرزوق، والدكتور حسين المخرق. كان هدفنا بناء فريق وطني متخصص يستطيع مواصلة العمل وتطوير خدمات علاج أورام الأطفال.

تجربة إنسانية في رعاية الأطفال

في عام 1971، لاحظت أن الإرسالية الأميركية كانت تتولى رعاية عدد من الأطفال مجهولي الوالدين. رأيت أن مسؤولية هؤلاء الأطفال ينبغي أن يتحملها مجتمعنا ومؤسساته. ذهبت إلى الدكتور علي فخرو، وقلت له إن هؤلاء الأطفال مسؤوليتنا، ويجب أن نوفر لهم الرعاية المناسبة. وافق على تحويل مبنى “بانجلور” في المحرق إلى دار لرعاية الأطفال، ووفر المبنى والاحتياجات الأساسية، بما في ذلك ممرضتان وباحثتان اجتماعيتان وميزانية بسيطة. بدأنا رعاية نحو 15 طفلًا.

استمر العمل في الدار من عام 1972 حتى عام 1984. رأيت أن رعاية الأطفال في مثل هذه الظروف هي مسؤولية اجتماعية تحتاج إلى جهة مختصة. اقترحت نقل مسؤولية الدار إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. تواصلت مع الوزير المختص آنذاك، وطلبت تشكيل لجنة لجمع التبرعات والعمل على إنشاء دار أكثر قدرة على استيعاب الأطفال وتقديم الرعاية المناسبة لهم. حصلنا على مبنى في الحورة كانت وزارة الصحة قد خصصته لإنشاء مركز صحي، وبدأنا العمل على تطوير المشروع.

تشكلت لجنة برئاستي ضمت راشد الزياني، والمرحوم محمد المناعي، والشيخة أسيل آل خليفة، إلى جانب عدد من العاملين في الجهات الاجتماعية والصحية، ومن المشاركين أيضًا عفاف الشافعي، وفايزة الزياني، والدكتورة فضيلة المحروس، والدكتور محمد خليل الحداد. بدأنا جمع التبرعات اللازمة، وتمكنا من إنشاء دار بطاقة استيعابية بلغت 50 طفلًا. كان هذا المشروع من التجارب الإنسانية التي أعتز بها، لأنه وفر إطارًا مؤسسيًا لرعاية أطفال كانوا في حاجة إلى الحماية والاهتمام.

تكشف شهادة الدكتور أكبر محسن عن مرحلة مفصلية في تطور الخدمات الصحية البحرينية، انتقلت فيها جهود الرعاية من الاعتماد على الخبرات الأجنبية إلى بناء كوادر وطنية متخصصة، وتوسيع نطاق التشخيص والعلاج والبحث العلمي. تبرز في مسيرته ثلاثة مسارات متكاملة: تطوير الكفاءات الطبية البحرينية، وتأسيس خدمات متخصصة لأمراض الدم وأورام وسرطان الأطفال، والمساهمة في مبادرات صحية واجتماعية امتد أثرها إلى خارج المستشفى. وهي شهادة تستحق التوثيق بوصفها جزءًا من الذاكرة المهنية والإنسانية لتاريخ الطب في مملكة البحرين.

شارك الخبر: