البحرين
ثقافة

أمينة رزق ونيروبا روي: دفء الأمومة الذي خلدته السينما العربية والهندية

البلاد٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:٤٤ ص0 مشاهدة
أمينة رزق ونيروبا روي: دفء الأمومة الذي خلدته السينما العربية والهندية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أمينة رزق ونيروبا روي..دفء الأمهات في وجدان السينما" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

هناك وجوه سينمائية تمتلك قدرة فريدة على تجسيد الشخصيات بمجرد ظهورها على الشاشة، فتقرأ في نظراتها الحنان أو القسوة، وتلمح في حضورها سلطة الأب أو دفء الأم. ومع تكرار الأدوار ونجاحها، تنشأ علاقة خاصة بين الفنان والجمهور، يصبح معها من الصعب تخيّل بعض الشخصيات بوجه آخر. وعندما نتحدث عن أبرز من جسّدن دور الأم في السينما العربية، تبرز الفنانة الكبيرة أمينة رزق، الاسم الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية. شاهدناها في أفلام الأبيض والأسود، ثم تابعنا حضورها في الأفلام الملونة وعبر أجيال متعاقبة. ورغم تنوع أدوارها، استقرت صورة الأم في وجدان الجمهور كإحدى أبرز بصماتها الفنية. كانت أمينة رزق تمنح الأمومة ثقلها الإنساني؛ فنبرة صوتها تحمل تعب السنين، وعيناها تعكسان خوفًا على الأبناء لا يحتاج إلى شرح. ويبدو أن سرها يكمن في قدرتها على إقناعنا بأن ما نراه هو تجربة حقيقية تعيشها أمام الكاميرا. حتى صمتها كان يحمل معانٍ عميقة، وانحناءة رأسها تختزل كلامًا طويلًا عن الفقد والانتظار وضيق الحياة. ومن شدة ارتباطنا بهذه الصورة، يصعب علينا تخيّلها أمًّا متسلطة أو قاسية؛ فقد ألفنا في وجهها الطيبة، وفي صوتها الحنان. وهذا يعكس قوة الصورة التي صنعتها في وجداننا، دون أن يقلل ذلك من قدرتها على تقمص شخصيات مختلفة؛ فالفنان الكبير أوسع من القالب الذي اعتاد الجمهور رؤيته فيه.

أما في السينما الهندية، فتعد نيروبا روي من أبرز الممثلات اللاتي أجدن دور الأم، حتى أصبحت صورتها جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة السينما الهندية. وتتجلى براعة الممثلة في التعبير عن ذلك التمزق بين المحبة والمبادئ، وبين نداء القلب وما يمليه الضمير. وقد قرأت في إحدى المجلات الفنية القديمة حديثًا لنيروبا روي عبّرت فيه عن ضيقها بتكرار أدوار الأم، وكيف كانت تقرر في كل مرة ألا تقبل الدور نفسه في فيلمها المقبل، ثم تتراجع عن قرارها، وكأنها لا تعرف سر عودتها المستمرة إليه. ويبدو أن هذه الحيرة تختصر مأزق الفنان حين ينجح في شخصية إلى الحد الذي يصبح معه الابتعاد عنها صعبًا؛ فالجمهور ينتظرها، والمخرجون يجدون فيه وجهها الأقرب. وحين رحلت عام 2004، قرأت لشامي كابور كلامًا يرثيها فيه بمعنى أن السينما الهندية فقدت أمها. وهذا المعنى يختزل المكانة التي بلغتها ممثلة استطاعت أن تجعل ملايين المتفرجين يشعرون بأنهم يعرفون هذه الأم، وأن شيئًا من حنانها يخصهم أيضًا. وإلى جانبها تحضر إندراني موكرجي، التي تستحق التوقف عند إسهامها في أدوار الأم والشخصيات العائلية. كان لها حضورها الخاص، وقدرتها على منح العلاقات العائلية دفئًا يجعلنا نتفاعل معها، مهما ازدحمت الحكاية بالمغامرات والمفاجآت.

ما يعنيني هو ذلك الحضور الوجداني الطاغي للأم في نماذج من السينما العربية والهندية، حيث تصبح علاقتها بأبنائها محور الحكاية، وتتحول معاناتها إلى قوة تدفع الأحداث وتكشف معادن الشخصيات. وهذه العلاقة بين الوجه والدور لا تقتصر على الأمهات. يكفي أن نتذكر الفنان الكبير إبراهيم الشامي، الذي اختاره المخرج نادر جلال ليكون والد عادل إمام في «ولا من شاف ولا من دري». كان حضوره يمنح الأب وقاره، ويقنعنا بالشخصية من اللحظة الأولى، وكأن المخرج يقول: الدور لك يا عم إبراهيم، وليس لغيرك. وفي المقابل، يبرز أمريش بوري، أحد عمالقة أدوار الشر في السينما الهندية؛ جهارة صوته، ونظراته الحادة، وطريقته في الوقوف والحركة، كلها أدوات كان يوظفها لبناء شخصية تفرض هيبتها وتثير القلق قبل أن تفعل شيئًا. وأستعيد هنا ما قرأته قديمًا عن حديث له عقب مشاركته في «جنباز»، الذي جسّد فيه والد فيروز خان وأنيل كابور؛ إذ تحدث عن عدم اعتياده أدوار الرجل الطيب، وعن إلحاح فيروز خان عليه للمشاركة. وتستوقفني في هذه الحكاية صعوبة ابتعاد الفنان عن الصورة التي رسخت عنه، حتى حين يحمل الدور الجديد فرصة لاختبار جانب آخر من موهبته. بصورة عامة، هناك وجوه تبدو كأنها خُلقت لأدوار معينة، لكن الموهبة هي التي تجعل ذلك الانطباع حياة كاملة على الشاشة. ولهذا بقيت أمينة رزق ونيروبا روي في الوجدان؛ فقد جعلتا المتفرج يرى في الأم السينمائية شيئًا من أمه، ويستعيد معها دعاءً صادقًا، أو خوفًا قديمًا، أو يدًا حانية لم ينسَ دفئها.

شارك الخبر: