البحرين
ثقافة

مهرجان القاهرة السينمائي: 50 عامًا من الإبداع وصناعة التاريخ السينمائي العالمي

البلاد٢ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠١:٥٦ م0 مشاهدة
مهرجان القاهرة السينمائي: 50 عامًا من الإبداع وصناعة التاريخ السينمائي العالمي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مهرجان القاهرة السينمائي.. نصف قرن من الحضور وصناعة التاريخ السينمائي" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ انطلاقته الأولى عام 1976، لم يكن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مجرد تظاهرة فنية تعرض الأفلام وتحتفي بنجوم الشاشة، بل كان مشروعًا ثقافيًا طموحًا يهدف إلى وضع مصر في قلب المشهد السينمائي العالمي وفتح نافذة واسعة أمام السينما العربية للتواصل مع التجارب والثقافات المختلفة. وراء هذه الفكرة، وقف الناقد والكاتب الراحل كمال الملاخ، الذي سعى لتأسيس مهرجان يعكس المكانة الفنية والثقافية لمصر ويمنح السينما مساحة تلتقي فيها التجارب المحلية والعربية والدولية. شهدت الدورة الأولى عام 1976 مشاركة نحو 100 فيلم من 33 دولة، توزعت بين مختلف البرامج، من بينها 14 فيلمًا في المسابقة الرسمية، في انطلاقة عكست الطموح المبكر للمهرجان ورغبته في تجاوز الحدود المحلية إلى فضاء سينمائي دولي. ومنذ ذلك الحين، بدأ المهرجان في بناء مكانته تدريجيًا، ليصبح أحد أبرز المهرجانات السينمائية في المنطقة العربية وأفريقيا، وواحدًا من المهرجانات الدولية المعروفة، مستفيدًا من مكانة القاهرة الثقافية وتاريخها العريق في صناعة السينما.

لم تخلُ هذه المسيرة من التعثرات والتحديات؛ فقد تأثر المهرجان، على امتداد عقوده الخمسة، بظروف سياسية واقتصادية وتحولات تاريخية انعكست على انتظام دوراته، وشهد بعض فترات التوقف، وهو ما يفسر وصوله إلى الدورة السابعة والأربعين رغم مرور خمسين عامًا على تأسيسه. ومع ذلك، ظل قادرًا على استعادة نشاطه ومواصلة حضوره، مستندًا إلى إرث سينمائي كبير وإصرار على الحفاظ على موقعه في خريطة المهرجانات الدولية. وتعاقب على رئاسة المهرجان عدد من الأسماء التي ارتبطت بمراحله المهمة، بدءًا من مؤسسه كمال الملاخ، ثم المخرج كمال الشيخ، والأديب سعد الدين وهبة الذي تولى الرئاسة بين عامي 1985 و1997، وهي مرحلة شكلت محطة بارزة في ترسيخ مكانة المهرجان وتعزيز علاقاته السينمائية الدولية. كما شهدت المراحل اللاحقة تولي الفنان القدير حسين فهمي الرئاسة بين عامي 1998 و2001، قبل أن تنتقل المسؤولية إلى شريف الشوباشي، ثم الفنان عزت أبو عوف، والناقد السينمائي سمير فريد، وماجدة واصف، والمنتج محمد حفظي. وعاد الفنان القدير حسين فهمي إلى رئاسة المهرجان عام 2022، ليواصل قيادة هذه المؤسسة السينمائية العريقة في مرحلة تتطلع إلى تطوير حضورها وتوسيع آفاقها الدولية.

لم تقتصر هوية مهرجان القاهرة على استضافة الأفلام والاحتفاء بنجومها، بل عمل على بناء تقاليد راسخة في تكريم الإبداع السينمائي، من خلال منظومة جوائز تحمل قيمة فنية ورمزية كبيرة. وتأتي جائزة الهرم الذهبي في مقدمة هذه الجوائز، بوصفها أرفع تكريم يمنحه المهرجان لأفضل فيلم في المسابقة الدولية، إلى جانب الهرم الفضي لأفضل مخرج، والهرم البرونزي الذي يمنح لجائزة لجنة التحكيم الخاصة. وتكتسب جوائز المهرجان أهمية إضافية من ارتباط عدد منها بأسماء تركت أثرًا عميقًا في تاريخ السينما المصرية، إذ تحمل جائزة أفضل سيناريو اسم الأديب نجيب محفوظ، وجائزة أفضل تصوير اسم المخرج هنري بركات، فيما تحمل جائزة أفضل فيلم عربي اسم الأديب سعد الدين وهبة، وجائزة لجنة التحكيم اسم المخرج صلاح أبو سيف. كما يكرم المهرجان المواهب والتجارب السينمائية عبر جائزة شادي عبد السلام لأفضل فيلم في مسابقة أسبوع النقاد، وجائزة يوسف شاهين لأفضل فيلم قصير، فضلاً عن جائزة يوسف شريف رزق الله التي تعكس اختيار الجمهور لأفضل فيلم في المسابقة الدولية. وتعكس هذه الجوائز حرص المهرجان على الاحتفاء بمختلف عناصر العملية السينمائية، من الكتابة والإخراج والتصوير إلى الأفلام القصيرة والتجارب العربية والمواهب الجديدة، بما يجعل المنافسة أكثر اتساعًا من مجرد اختيار الفيلم الفائز، ويمنح المبدعين فرصة للتعريف بأعمالهم أمام جمهور ونقاد وصناع سينما من مختلف أنحاء العالم.

في الدورة السابعة والأربعين، تتجلى ملامح هذا التطور في حجم المشاركة الدولية، إذ تشير بيانات الدورة إلى عرض نحو 145 فيلمًا من 64 دولة، في مشهد يعكس اتساع شبكة العلاقات السينمائية للمهرجان وتنوع خياراته الفنية مقارنة بانطلاقته الأولى. وبين نحو 100 فيلم من 33 دولة في عام 1976، و145 فيلمًا من 64 دولة في الدورة الحالية، تبدو المسافة الزمنية شاهدة على اتساع الحضور الدولي وتنامي أهمية القاهرة بوصفها محطة رئيسية للسينما وصناعها. وبعد خمسين عامًا على انطلاق فكرته، يظل التحدي الأكبر أمام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مرتبطًا بقدرته على الحفاظ على مكانته وتطوير أدواته، واستقطاب أفلام ذات قيمة فنية حقيقية، وتعزيز فرص التواصل بين السينمائيين، إلى جانب توسيع مساحة حضور السينما المصرية والعربية في المهرجانات والأسواق الدولية. فالعراقة وحدها لا تكفي لضمان الاستمرار، كما أن قيمة أي مهرجان لا تقاس بعدد دوراته أو بريق افتتاحه، بل بجودة اختياراته، ومستوى المنافسة فيه، وما يتركه من أثر في الصناعة والجمهور. ومن هنا، تبقى مسؤولية مهرجان القاهرة أكبر من تنظيم حدث سنوي؛ فهو يحمل تاريخًا سينمائيًا وثقافيًا ممتدًا، ويقف أمام فرصة متجددة لتأكيد دوره كمنصة تجمع صناع الأفلام وتدعم التجارب الجديدة وتفتح أمام السينما العربية آفاقًا أوسع، ليظل اسمه حاضرًا في المشهد السينمائي العالمي، لا باعتباره شاهدًا على تاريخ مضى فحسب، بل بوصفه جزءًا فاعلًا في صناعة مستقبل السينما.

شارك الخبر: