البحرين
ثقافة

علماء يفكّون شيفرة مواقع تماثيل جزيرة القيامة الغامضة: سر المياه العذبة يكشف اللغز

البلاد٢ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٠٤ م0 مشاهدة
علماء يفكّون شيفرة مواقع تماثيل جزيرة القيامة الغامضة: سر المياه العذبة يكشف اللغز

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عمرها قرون.. علماء يحلون لغز تماثيل "جزيرة القيامة"" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لطالما واجهت التماثيل الحجرية العملاقة في جزيرة القيامة أمواج المحيط الهادئ لقرون، شاهدة على حضارة غامضة ومثيرة للتساؤلات. هذه الوجوه الصخرية الصامتة، المعروفة باسم "مواي"، والتي تنتصب على امتداد سواحل الجزيرة، كانت تخفي وراء ملامحها الجامدة سر حياة سكانها القدماء. وبعد سنوات من الحيرة، توصل باحثون إلى تفسير جديد لأحد أكبر ألغاز هذه التماثيل، حيث اكتشفوا أن مواقع تشييدها لم تكن عشوائية، بل مرتبطة بتوافر المياه العذبة، التي كانت مورداً نادراً في الجزيرة.

تقع جزيرة القيامة، المعروفة أيضاً باسم رابا نوي، في المحيط الهادئ وتتبع تشيلي، وتشتهر بتماثيلها البركانية الضخمة التي تمثل رمزاً تاريخياً للحضارة البولينيزية. يُعتقد أن سكان الجزيرة نحتوا هذه التماثيل بين عامي 1300 و1600 لتخليد ذكرى زعمائهم، لكن مواقع انتشارها ظلت محط تساؤلات. يبلغ عدد تماثيل "مواي" أكثر من ألف تمثال، ينتشر معظمها بمحاذاة السواحل، وهو توزيع جغرافي دفع باحثين بجامعة بينغهامتون الأميركية إلى البحث عن تفسير علمي.

بدلاً من التركيز على الجوانب الدينية أو الرمزية، اتجه الفريق إلى دراسة الطبيعة الجغرافية للجزيرة، محاولاً اكتشاف ما الذي يجمع بين مواقع التماثيل. أظهرت النتائج أن الجزيرة تفتقر إلى مصادر المياه العذبة الطبيعية، حيث تمتص تربتها البركانية المسامية مياه الأمطار بسرعة، مما يفسر غياب الأنهار والجداول. أمام هذه الظروف، اعتمد السكان قديماً على المياه الجوفية التي تتسرب عبر طبقات الصخور والرواسب، وتظهر بالقرب من السواحل.

تحدث ظاهرة تدفق المياه العذبة إلى البحر عندما تتشبع الخزانات الجوفية بالمياه، فتبدأ في التدفق خارج الأرض، مشكلة مصدراً طبيعياً يمكن للسكان الاستفادة منه. وعند انخفاض مستوى المد والجزر، تتدفق المياه العذبة من الصخور الساحلية مباشرة إلى البحر، مما يسمح للسكان بجمعها قبل اختلاطها بكميات كبيرة من المياه المالحة. قاس الباحثون مستويات الملوحة في المياه الساحلية، ليكتشفوا ارتباطاً بين انخفاض تركيز الأملاح والمواقع التي تنتصب فيها التماثيل الحجرية الشهيرة.

يرى عالم الأنثروبولوجيا كارل ليبو أن هذا الاكتشاف يفسر اختيار مواقع التماثيل، موضحاً أنها شُيدت بالقرب من الأماكن التي تتوافر فيها المياه العذبة. وللتأكد من فرضيتهم، استبعد الباحثون البحيرات والينابيع كمصادر رئيسية للشرب، نظراً لصعوبة الوصول إلى البحيرات وكون النبع يتحول غالباً إلى مستنقع. خلص الفريق إلى أن السكان احتاجوا إلى مصدر مائي إضافي لتلبية احتياجات آلاف الأشخاص الذين عاشوا بالجزيرة.

من بين الأدلة التي دعمت هذا التفسير، روايات مستكشفين أوروبيين خلال القرن الثامن عشر، تحدثت عن مشاهدة السكان الأصليين وهم يشربون ما اعتقدوا أنه مياه البحر. لكن ما بدا للمستكشفين الهولنديين أمراً مستحيلاً كان في الحقيقة مياهاً قليلة الملوحة، تتكون من خليط المياه العذبة وكمية محدودة من المياه المالحة. أوضح ليبو أن هذه المياه لم تكن تحتوي على تركيزات ضارة من الأملاح، مما جعلها مناسبة للشرب دون الحاجة إلى إضافة الملح للطعام.

لا يتوقف اهتمام الباحثين عند تفسير مواقع التماثيل، إذ يعتزم الفريق دراسة ما إذا كان توافر المياه العذبة قد أثر أيضاً في أساليب تشييدها. ويعتقد العلماء أن فهم الظروف التي أحاطت بحياة سكان رابا نوي قد يكشف كيف نجحت مجتمعات قديمة في التعاون لإنجاز مشروعات هندسية ضخمة. تقدم هذه الدراسة تفسيراً جديداً لمواقع تماثيل جزيرة القيامة، وتفتح نافذة على علاقة الإنسان بالموارد الطبيعية وقدرتها على تشكيل الحضارات القديمة.

شارك الخبر: