لماذا يستمر استعصاء التخلي عن الدولار رغم مساعي مجموعة بريكس؟


هذا الخبر بعنوان "رغم الضجيج.. لماذا يبقى التخلي عن الدولار بعيد المنال؟" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت قمة مجموعة بريكس الأخيرة إثارة النقاشات حول مساعي تقليص الاعتماد على الدولار، مع إبراز قادة التكتل لأهمية توسيع التجارة بالعملات المحلية وتعزيز حضور اقتصادات الجنوب العالمي في المشهد المالي الدولي. وعزا خبراء هذا التوجه إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية الأميركية والسياسات الحمائية، مع إبداء الشكوك حول قدرة التكتل على إحداث تغيير جذري يحد من هيمنة الدولار في المدى المنظور.
وظل الحديث عن إزالة الدولرة يتردد مع كل هزة تتعرض لها الثقة في الولايات المتحدة أو نظامها المالي، بينما تؤكد الأرقام استمرار سيطرة العملة الأميركية على حركة التجارة والتمويل حول العالم، حيث ما زالت السلع الأساسية كالنفط والذهب تسعر بالدولار، وفقاً لتقرير موسع نشرته شبكة CNBC واطلعت عليه العربية Business. وبيانات بنك التسويات الدولية توضح استحواذ الدولار على 89% من إجمالي تعاملات سوق العملات الأجنبية حتى أبريل الماضي بارتفاع نقطة مئوية عن العام السابق، بينما بلغت حصة اليورو 29% والين الياباني 17%.
وطالب رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا خلال الفعالية بضرورة توسيع اعتماد العملات المحلية وتطوير أنظمة المدفوعات العابرة للحدود وتوطيد التكامل المالي بين الدول الأعضاء. وشددت دول مثل روسيا وإيران اللتين تواجهان قيوداً مرتبطة بالعقوبات الأميركية، على ضرورة بناء بنية تحتية خاصة بالتكتل تختص بالمدفوعات والتسويات والودائع المالية. ومن جانبه، رأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن تمركز النظام المالي العالمي حول عدد محدود من العملات يعرضه للصدمات السياسية، داعياً إلى تنويع البدائل.
وأوضح الخبراء أن مجموعة بريكس ما زالت تعاني من نقص في البنية المؤسسية والمالية والاقتصادية الكلية التي تضمن توفير السيولة والثقة العالمية التي يتمتع بها الدولار. وتعتبر فجوات التكامل المالي واختلالات الميزان التجاري بين الأعضاء وضعف الثقة المتبادلة بين القوى الكبرى داخل التكتل مثل الصين والهند، من أبرز العوائق التي تعترض أي محاولة جادة للابتعاد عن العملة الأميركية.
وتكرر طرح ملف إزالة الدولرة ضمن تكتل بريكس بصورة دفعت سابقاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% في حال اتجهت الدول الأعضاء لإصدار عملة بديلة للدولار أو دعم أي مشروع ينافسه. وعلى الرغم من أن دول بريكس العشر تشكل معاً نحو 27% من الناتج العالمي و24% من صادرات السلع و22% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2024 حسب بيانات الأمم المتحدة، إلا أن حجم التجارة البينية بينها لم يتجاوز نحو 5% من التجارة العالمية.
وعلى الرغم من الوعود المستمرة بتوسيع نطاق العمل بالعملات الوطنية، لم تظهر حتى الآن خطوات عملية واسعة، حيث خلا إعلان بريكس لعام 2026 من أي إشارة لوجود عملة موحدة أو آليات محددة لتسوية التجارة والاستثمارات بالعملات المحلية، واكتفى بتكليف فريق مدفوعات بريكس بإيجاد حلول عملية للمدفوعات العابرة للحدود. وأوضحت رئيسة أبحاث آسيا في فيريسك مابلكروفت، ريما باتاتشاريا، أن نحو 90% من التجارة بين روسيا والصين تسوى حالياً بالروبل واليوان، مرجعة ذلك التحول أساساً إلى العقوبات الغربية المفروضة على موسكو منذ عام 2022 وليس نتيجة لسياسة منسقة داخل التكتل. كما لفتت إلى افتقار معظم عملات الدول الأعضاء لأسواق مالية عميقة وسائلة خارج حدودها، مما يجعل المصدرين يفضلون الدولار لسهولته وقلة مخاطره في تسعير التجارة العالمية والسلع الأساسية.
واعتبرت باتاتشاريا أن التنافس القائم بين الصين والهند يشكل العائق الأكبر أمام تماسك التكتل، فرغم مساعيهما لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي بعيداً عن واشنطن، تتنافس الدولتان بصورة مباشرة في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا واستقطاب الاستثمارات والنفوذ الإقليمي. وأدى اتساع الفجوة التجارية بين أكبر اقتصادين في بريكس إلى تعقيد مهمة بناء الثقة المطلوبة لتحقيق اندماج مالي أعمق، حيث وصل حجم التجارة المتبادلة بين البلدين إلى مستوى قياسي بلغ 151.1 مليار دولار في السنة المنتهية في مارس 2026، بينما صعد العجز التجاري الهندي مع الصين إلى مستوى قياسي جديد عند 112.16 مليار دولار.
وفي النهاية، تظل تطلعات بريكس الرامية لتقليص الاعتماد على الدولار محاصرة بعقبات مؤسسية وتجارية وسياسية ضخمة، مما يجعل مسألة القضاء على هيمنة العملة الأميركية أقرب إلى كونها خطاباً سياسياً طويل الأمد مقارنة بتحول اقتصادي ومالي قريب المدى.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد