القطاع المالي البحريني: قوة مصرفية وتحولات رقمية وائتمانية متسارعة


هذا الخبر بعنوان "تحليل اقتصادي | القطاع المالي البحريني.. متانة مصرفية وتحولات متسارعة في الائتمان والمدفوعات" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعكس التسارع في المدفوعات الرقمية تحولاً واضحاً في المسار المالي نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النقد. الاستقرار المالي لا يقتصر على قوة البنوك، بل يشمل الأسواق وأنظمة الدفع وقدرتها على مواجهة الصدمات. توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية والمؤسسات الصغيرة يعزز دوره في دعم النمو الاقتصادي.
يقدم تقرير الاستقرار المالي الصادر عن مصرف البحرين المركزي في مارس 2026 صورة إيجابية إجمالاً عن متانة النظام المالي البحريني حتى نهاية العام 2025، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن تحولات مهمة تستحق القراءة فيما وراء الأرقام، خصوصاً في هيكل النشاط المصرفي، واتجاهات الائتمان، وأداء سوق المال، والتوسع المتسارع في المدفوعات الرقمية. التقرير لا ينظر إلى الاستقرار المالي باعتباره مجرد سلامة البنوك، بل باعتباره قدرة النظام المالي بمؤسساته وأسواقه وأنظمة الدفع على مواصلة أداء وظائفه بكفاءة حتى في مواجهة الصدمات.
أولى الدلالات المهمة هي استمرار المكانة المحورية للقطاع المالي في الاقتصاد البحريني، فقد بلغت مساهمته 17.8 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الرابع من 2025، مقابل 17.3 % في الفترة نفسها من 2024. وبلغ عدد التراخيص التي يشرف عليها مصرف البحرين المركزي 377 ترخيصاً، بينها 83 مصرفاً و288 مؤسسة مالية غير مصرفية. كما ارتفعت الأصول الإجمالية للقطاع المصرفي إلى 254.4 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 2.7 %. والأهم من النمو الكلي هو الاختلاف الواضح بين مكونات القطاع، فقد ارتفعت أصول مصارف التجزئة بنسبة 7.9 % إلى 119.7 مليار دولار، بينما انخفضت أصول مصارف الجملة بنسبة 1.6 % إلى 134.8 مليار دولار. وفي المقابل واصل القطاع المصرفي الإسلامي توسعه، لترتفع أصوله إلى 67.1 مليار دولار، بما يمثل نحو 26.4 % من إجمالي أصول القطاع المصرفي، وهذا يعكس استمرار تحول تدريجي في بنية الصناعة المصرفية لمصلحة النشاط المحلي والتجزئة والصيرفة الإسلامية.
تبدو مؤشرات السلامة المصرفية من أبرز نقاط القوة في التقرير، فقد بلغ معدل كفاية رأس المال 21.8 % في ديسمبر 2025، بينما تراجعت نسبة القروض المتعثرة إلى 2.6 %، كما بلغت نسبة الأصول السائلة إلى إجمالي الأصول 26 %، ونسبة القروض إلى الودائع 62 %، وهي مؤشرات توفر هوامش مهمة لامتصاص الصدمات وتدعم قدرة المصارف على مواصلة التمويل. أما الربحية، فظلت إيجابية، إذ بلغ العائد على الأصول 1.1 % والعائد على حقوق الملكية 10.3 %. ومع ذلك، فإن المقارنة السنوية تكشف عن تراجع طفيف في مؤشري الربحية، فقد كان العائد على الأصول 1.3 % والعائد على حقوق الملكية 11.2 % في الربع الرابع من 2024، وهذا لا يمثل بحد ذاته مصدر قلق، لكنه مؤشر يستحق المتابعة في ضوء تطورات أسعار الفائدة وتكاليف التشغيل.
ارتفع إجمالي الائتمان المحلي لمصارف التجزئة بنسبة 5.3 % إلى 12.9 مليار دينار، إلا أن توزيع هذا النمو يكشف عن تفاوت مهم، فالائتمان الشخصي ارتفع 4 % إلى نحو 6.2 مليار دينار، في حين لم يرتفع ائتمان الأعمال سوى 1.2 % إلى نحو 5.28 مليارات دينار، وفي المقابل قفز إقراض الحكومة نحو 30 % ليصل إلى 1.5 مليار دينار. وهنا تبرز مسألة تستحق الاهتمام من منظور النمو الاقتصادي طويل الأجل: هل يتجه التوسع الائتماني بالقدر الكافي نحو الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية؟ فالقروض الشخصية باتت تعادل 33.6 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكل التمويل المضمون برهون عقارية 51.6 % منها. وفي المقابل، لا تزال قروض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل 10.2 % فقط من إجمالي ائتمان الأعمال و4.1 % من إجمالي الإقراض، وهذه النقطة تطرح أهمية تعزيز توجيه التمويل نحو المؤسسات المنتجة والاستثمارات التي تولد الوظائف والقيمة المضافة.
شهدت بورصة البحرين مفارقة لافتة خلال 2025، فقد انخفض مؤشر البحرين العام نحو 4.1 %، بينما ارتفع المؤشر الإسلامي بقوة بلغت 31.7 %، وفي الوقت نفسه ارتفعت القيمة السوقية إلى نحو 8 مليارات دينار، بزيادة 4.41 % على 2024، غير أن السوق لا يزال يتسم بتركيز مرتفع نسبياً، فأكبر خمس شركات مدرجة تستحوذ على 66.62 % من القيمة السوقية، تتصدرها “ألمنيوم البحرين” (البا) بنسبة 19.53 %، يليها بنك البحرين الوطني 14.27 %. وهذا يؤكد أهمية توسيع قاعدة الشركات المدرجة وتعميق السوق وزيادة تنوع أدوات الاستثمار.
من أكثر مؤشرات التقرير وضوحاً التحول المتسارع في المسلك المالي للمجتمع. فقد ارتفع حجم معاملات نقاط البيع والتجارة الإلكترونية في النصف الثاني من 2025 بنسبة 18.3 % إلى 135.6 مليون معاملة، وارتفعت قيمتها 16.8 % إلى نحو 2.6 مليار دينار. وفي الاتجاه المعاكس، انخفض المتوسط اليومي لحجم معاملات أجهزة الصراف الآلي 15.1 % وقيمتها 10 %، بينما ارتفع حجم معاملات “فوري +” 9.6 % وقيمتها 18.5 %. هذه الأرقام لا تعكس مجرد استبدال النقد بالبطاقات، وإنما تشير إلى تغير أعمق في البنية المالية البحرينية باتجاه اقتصاد أكثر اعتماداً على المدفوعات الرقمية، ويعزز ذلك استمرار البيئة التجريبية للتكنولوجيا المالية، التي ضمت 11 شركة نشطة بنهاية 2025 في مجالات المدفوعات والاستثمار والإقراض والعملات المشفرة وتقنيات التأمين.
الصورة العامة التي يقدمها التقرير هي لنظام مالي قوي من حيث رأس المال والسيولة وجودة الأصول، ومتقدم في التحول الرقمي، ويتمتع بقاعدة مصرفية كبيرة قياساً بحجم الاقتصاد، لكن القراءة التحليلية تكشف عن أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على المحافظة على الاستقرار المالي بمعناه الاحترازي، بل تتطلب تعزيز دوره التنموي. والتحدي الأساسي يتمثل في تحويل قوة النظام المصرفي والسيولة والتكنولوجيا المالية إلى تمويل أوسع للنشاط الإنتاجي والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعميق سوق رأس المال، وتوسيع قاعدة الشركات المدرجة، ومواصلة تنويع مصادر النمو المالي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد