تحليل بروتينات الدم يكشف أسرار الأمراض النادرة التي تعجز الجينات عن تشخيصها


هذا الخبر بعنوان "الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت دراسة دولية حديثة أن تحليل حوالي 1500 بروتين في الدم، بالتزامن مع البيانات الجينية، يمكن أن يساهم في تحديد الأسباب المحتملة للأمراض النادرة التي فشل تسلسل الجينوم وحده في تشخيصها. تركز هذه التقنية بشكل خاص على حالات المتغيرات ذات الدلالة غير المؤكدة (VUS)، والتي يصعب تفسيرها بالاعتماد على المعلومات الجينية وحدها.
شارك في هذه الدراسة باحثون من جامعة كوين ماري في لندن، ومعهد برلين للصحة في مستشفى شاريتيه، ومؤسسة جينومكس إنغلاند. وقد نُشرت نتائجهم في دورية Science Translational Medicine في 9 سبتمبر. وقد أظهرت النتائج فائدة كبيرة في تشخيص حالات توسع الشعيرات النزفي الوراثي (HHT)، وفي تحديد جينات مرشحة مثل جين TIE1 لدى مريض يعاني من اضطراب قلبي وراثي غير مفسر، مع انخفاض ملحوظ في مستوى بروتين TIE1 لديه.
من المزايا المحتملة لهذا النهج هو الاعتماد على عينات الدم كبديل أقل تدخلاً من الخزعات وزراعة الخلايا، مما يوجه الأبحاث المستقبلية نحو مسارات أكثر تركيزاً. ومع ذلك، تشمل القيود الحالية قياس جزء فقط من البروتينات المتاحة وعدم القدرة على اكتشاف بعضها بشكل موثوق في الدم. شدد الباحثون على أن النتائج الحالية تمثل ارتباطاً مرشحاً ولا تثبت السببية بشكل قاطع، مما يستدعي الحاجة إلى دراسات أوسع وأكثر تنوعاً، وزيادة عدد البروتينات المقاسة، وتحسين حساسية الاختبارات.
تأتي هذه الدراسة في وقت لا يزال فيه العديد من المرضى يواجهون صعوبة في معرفة الأسباب الكامنة وراء حالاتهم الصحية، حتى مع التقدم الكبير في تسلسل الجينوم والإكسوم. وتُعد المتغيرات الجينية ذات الدلالة غير المؤكدة (VUS) أحد أبرز التحديات، حيث يتم اكتشافها ولكن لا يمتلك العلماء أدلة كافية لتحديد ما إذا كانت مسؤولة عن مرض المريض.
توفر بروتينات الدم مصدراً إضافياً للمعلومات، إذ تعكس العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم. ويمكن أن تشير المستويات المرتفعة أو المنخفضة بشكل غير معتاد لبروتينات محددة إلى أن تغيراً جينياً يؤثر في وظيفة أحد الجينات. وقالت الدكتورة جوليا كاراسكو - زانيني من معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن، والمؤلفة الأولى للدراسة، إن الجمع بين قياسات البروتينات والبيانات الجينية قد يوفر طبقة إضافية من الأدلة لفهم المتغيرات الجينية، وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن تغيرات جينية إضافية، يمكن لهذا الأسلوب أن يساعد الباحثين على تفسير المعلومات الجينية المتاحة بالفعل.
أظهر البحث أن الجمع بين البيانات الجينية وقياسات البروتينات كان مفيداً بصورة خاصة لدى بعض المرضى المصابين بتوسع الشعيرات النزفي الوراثي (HHT)، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر في الأوعية الدموية. وساعد هذا النهج في حل حالات ظلت دون تشخيص بعد التحليل الجيني. كما أسهمت قياسات البروتينات في تحديد تغيرات جينية ربما لم تلتقطها الأساليب التقليدية المستخدمة في تحليل بيانات تسلسل الجينوم. وحقق الباحثون أيضاً في إمكانية الاستعانة بمستويات البروتينات غير المعتادة للكشف عن جينات لم يثبت بشكل قاطع بعد أنها تسبب أمراضاً نادرة محددة. ومن بين الأمثلة جين TIE1 الذي يؤدي دوراً في وظائف الأوعية الدموية. فقد حدد العلماء متغيراً جينياً نادراً في هذا الجين لدى مريض يعاني من اضطراب وراثي غير مفسر في القلب، إلى جانب انخفاض استثنائي في مستويات بروتين TIE1 في دمه. ووجد الباحثون المتغير الجيني نفسه لدى والد المريض الذي كان يعاني من الحالة ذاتها، بينما لم يُكتشف لدى المشاركين الآخرين في مشروع «100 ألف جينوم». كما أظهرت تجارب مخبرية إضافية باستخدام خلايا مأخوذة من المريض انخفاضاً ملحوظاً في مستويات بروتين TIE1 وإشاراته، مما قدم دعماً إضافياً للعلاقة المحتملة. ومع ذلك شدد الباحثون على أن هذه النتيجة تمثل ارتباطاً مرشحاً بين الجين والمرض، ولا تؤكد أن جين TIE1 هو السبب المباشر للحالة. ولا تزال هناك حاجة إلى أدلة إضافية لإثبات هذه العلاقة.
تتمثل إحدى المزايا المحتملة لهذا النهج في اعتماده على عينات الدم التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة لبعض الأساليب المخبرية التي تتطلب أخذ خزعات من الجلد، وزراعة خلايا مأخوذة من المرضى. وقال البروفسور داميان سميدلي من معهد ويليام هارفي للأبحاث في جامعة كوين ماري في لندن، وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة، إن قياسات البروتينات قد تساعد الباحثين على تحديد التغيرات الجينية الأكثر احتمالاً للتأثير في صحة المريض، وتوجيه عمليات بحث أكثر تركيزاً. لكن هذا الأسلوب يواجه قيوداً مهمة. فالتقنيات الحالية تقيس جزءاً فقط من البروتينات التي يشفرها الجينوم البشري، كما أن بعض البروتينات المرتبطة بالأمراض لا يمكن اكتشافها بشكل موثوق في الدم. إضافة إلى ذلك، لا تؤدي جميع المتغيرات الجينية المسببة للأمراض إلى تغيير مستويات البروتينات الموجودة في مجرى الدم. ولذلك لا تستطيع هذه التقنية حتى الآن تقديم إجابات لجميع المرضى الذين يعانون من أمراض نادرة غير مشخصة.
يرى الباحثون أن التطورات في مجال علم البروتينات المعروف باسم «البروتيوميات» (proteomics) قد تجعل هذا النهج أكثر فائدة عند دمجه مع تسلسل الجينوم. والبروتيوميات هي الدراسة الشاملة لجميع أصناف وأنواع البروتينات، خاصة ما يتعلق ببنية البروتين، ووظائفها. وقالت البروفسورة كلوديا لانغنبرغ -مديرة معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن- إن البيانات الجينية توفر معلومات عن المخطط البيولوجي للجسم، بينما يمكن لقياسات البروتينات أن تقدم صورة عن كيفية عمل هذا المخطط داخل جسم المريض. ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية تشمل أعداداً أكبر من المرضى، ومجموعات سكانية أكثر تنوعاً، ونطاقاً أوسع من الأمراض النادرة. كما يهدف العلماء إلى زيادة عدد البروتينات التي يمكن قياسها، وتحسين حساسية الاختبارات، وتطوير نطاقات مرجعية دقيقة لتفسير النتائج. ورغم أن تحليل بروتينات الدم لا يُعد بديلاً عن تسلسل الجينوم في الوقت الحالي، فإن النتائج تشير إلى إمكانية أن يصبح أداة مكملة مهمة تساعد الباحثين على اكتشاف إشارات بيولوجية قد تظل مخفية، وتقرّب بعض المرضى من الوصول إلى تشخيص طال انتظاره.
صحة
صحة
صحة
صحة