البحرين
اقتصاد

الاقتصاد العالمي على مفترق طرق: نمو ظاهري يخفي انقسامات عميقة وتفاوتًا متزايدًا

البلاد١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٤٢ ص0 مشاهدة
الاقتصاد العالمي على مفترق طرق: نمو ظاهري يخفي انقسامات عميقة وتفاوتًا متزايدًا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "اقتصاد عالمي بسرعتين.. نمو مستقر على الورق وانقسامات تتسع في الداخل" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على الرغم من أن الاقتصاد العالمي يبدو أكثر ثباتًا مما كان متوقعًا قبل بضعة أشهر، حيث رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو عام 2026 إلى 3.1%، إلا أن التفاصيل تكشف عن واقع مغاير. فالنمو العالمي لم يعد موزعًا على نطاق واسع كما كان في السابق، بل أصبح يتركز بشكل أكبر في عدد قليل من الاقتصادات التي تستفيد من التحولات التكنولوجية الكبرى وطفرة الذكاء الاصطناعي. وبينما توحي الأرقام الإجمالية بالاستقرار، فإن هذا الاستقرار يخفي اتساعًا في فجوة الأداء بين الدول. فبحسب صندوق النقد الدولي، فإن 32 دولة فقط تقود نحو 95% من النمو العالمي، بينما تواجه اقتصادات أخرى ضغوطًا بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ التجارة، وزيادة أعباء التمويل. هذا الوضع يرسم خريطة اقتصادية جديدة توصف بـ "اقتصاد السرعتين"، حيث تتقدم دول مدفوعة بالابتكار والتكنولوجيا، بينما تكافح دول أخرى للحفاظ على وتيرة نموها في بيئة عالمية معقدة ومتغيرة.

لم يعد النمو العالمي موزعًا بالتساوي؛ فالاقتصاد العالمي لا يتباطأ أو يتسارع بشكل جماعي، بل يتم "إعادة توزيعه" بين الدول بناءً على عاملين رئيسيين: مدى تعرضها لصدمات الإمدادات الناتجة عن الحرب، وقدرتها على الاستفادة من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي. تمثل الولايات المتحدة والصين أكثر من ثلاثة أرباع الطلب العالمي الصافي على أشباه الموصلات ومعدات الذكاء الاصطناعي، مما يجعل الدول المرتبطة بسلاسل توريد التكنولوجيا المستفيد الأكبر من موجة الاستثمار الحالية. كما استفادت اقتصادات مثل كوريا الجنوبية وماليزيا والمكسيك وتايلاند من الطلب المتزايد على البنية التحتية الرقمية والرقائق الإلكترونية. في المقابل، تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة ضغوطًا مزدوجة تتمثل في ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، دون وجود محركات نمو بديلة مرتبطة بالتكنولوجيا.

الرابحون والخاسرون في الاقتصاد الجديد:

تتصدر الهند قائمة الرابحين، مع توقعات بنمو يبلغ 7% خلال 2026 و2027، لتظل أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا عالميًا. وتواصل الولايات المتحدة الحفاظ على نمو يبلغ 2.3% بدعم مباشر من الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. أما الصين، فتحافظ على نمو عند 4.5% رغم التباطؤ النسبي مقارنة بالسنوات السابقة. على الجانب الآخر، تبرز الاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة والدول منخفضة الدخل باعتبارها الأكثر هشاشة أمام ارتفاع الأسعار العالمية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن هذه الدول تجد نفسها خارج دائرة الاستفادة المباشرة من الطفرة التكنولوجية، بينما تتحمل كامل أثر ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.

لماذا يخدعنا الرقم العالمي؟

يكمن الخلل في أن متوسط النمو العالمي يشبه متوسط عمق نهر؛ قد يبدو آمنًا على الورق، لكن بعض المناطق تخفي أعماقًا خطيرة. فعندما تحقق اقتصادات ضخمة مثل الولايات المتحدة والصين والهند نموًا قويًا، فإنها ترفع المتوسط العالمي حتى لو كانت عشرات الاقتصادات الأخرى تتباطأ أو تتعرض لخفض توقعاتها. وتشير بيانات الصندوق إلى أن نحو 47% من اقتصادات العالم تعرضت لخفض في توقعات النمو مقارنة بالتقديرات السابقة. بمعنى آخر، فإن استقرار النمو العالمي لا يعني بالضرورة أن معظم دول العالم تنمو بالسرعة نفسها، بل يعكس قوة عدد محدود من الاقتصادات الكبيرة القادرة على امتصاص الصدمات والاستفادة من التحولات التكنولوجية.

ماذا يعني ذلك للدول العربية المستوردة للطاقة؟

بالنسبة لدول مثل الأردن والمغرب وتونس، يحمل هذا الواقع تحديات إضافية. أولاً، يؤدي ارتفاع أسعار النفط والطاقة إلى زيادة فاتورة الاستيراد والضغط على الموازنات العامة والحسابات الخارجية. ثانيًا، يؤثر ارتفاع تكاليف النقل والطاقة على القدرة التنافسية للقطاع الصناعي. ثالثًا، فإن بقاء الاستثمارات العالمية موجّهة نحو قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا قد يوسع فجوة النمو بين الاقتصادات الرقمية والاقتصادات التقليدية. لكن هذا لا يعني غياب الفرص بالكامل. فالتحولات الجارية تمنح هذه الاقتصادات فرصة للاستفادة من خدمات التعهيد الرقمي، وتطوير المهارات التقنية، وجذب الاستثمارات المرتبطة بسلاسل القيمة التكنولوجية، ولو بشكل غير مباشر. غير أن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات أكبر في البنية الرقمية والتعليم والمهارات المستقبلية.

الرسالة الأساسية في تقرير صندوق النقد الدولي لشهر أكتوبر 2026 ليست أن الاقتصاد العالمي قوي أو ضعيف، بل أنه أصبح أكثر انقسامًا. فبينما تدفع طفرة الذكاء الاصطناعي مجموعة محدودة من الدول إلى الأمام، تواجه عشرات الاقتصادات الأخرى ضغوطًا من ارتفاع الطاقة والديون وتباطؤ الاستثمار. ولهذا فإن رقم النمو العالمي البالغ 3.1% يخفي وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا؛ عالم ينمو بالفعل، لكن بسرعتين مختلفتين، وربما بثلاث سرعات أو أكثر خلال السنوات المقبلة.

شارك الخبر: