الاستدامة المؤسسية في الأزمات: كيف تحمي الشركات الكبرى الصغرى وتعزز مرونة الاقتصاد البحريني؟


هذا الخبر بعنوان "الاستدامة المؤسسية في الظروف الاستثنائية.. كيف تتكامل حماية الشركات الكبرى ومساندة الأنشطة الصغيرة؟" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد الدكتور حسن العالي أن الاستدامة المؤسسية تعزز استمرارية الشركات وتحمي العاملين في أوقات الأزمات، مشيراً إلى أن تكامل الشركات الكبرى والصغرى يعزز مرونة الاقتصاد البحريني واستدامته. وأوضح أن انتظام سداد المستحقات يدعم استمرارية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في أثناء الأزمات، وأن تنويع المسارات اللوجستية يعزز الأمن الغذائي واستمرارية الأنشطة التجارية. كما يساعد التمويل المرن المؤسسات الصغيرة على تجاوز الضغوط واستعادة النمو، بينما تضمن حماية العاملين والأصول استمرارية الأعمال في الظروف الاستثنائية. وتساهم الجهوزية البيئية وكفاءة الموارد في تعزيز استدامة قطاع الطاقة، وتدعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص المؤسسات الأكثر احتياجاً. ويمنح تأجيل الأقساط الشركات مساحة مالية لمواصلة التشغيل والوفاء بالتزاماتها.
نظمت مؤسسة «البلاد» الإعلامية حلقة حوارية حول المسؤولية الاجتماعية والاستدامة المؤسسية في الظروف الاستثنائية، تناولت دور المؤسسات في حماية العاملين والمجتمع واستمرار الأعمال خلال الأزمات. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل الاعتداءات الإيرانية التي واجهتها البحرين، وما صاحبها من اضطراب في الملاحة والإمدادات، وما نتج عنها من أضرار مادية وضغوط تشغيلية وتمويلية طالت مختلف الشركات والمؤسسات.
تعني الاستدامة المؤسسية في هذه الظروف المحافظة على قدرة المنشأة على العمل والوفاء بالتزاماتها والتعافي، مع حماية العاملين والأصول والبيئة. وتتحقق هذه الاستدامة عبر جانبين متكاملين: إجراءات المؤسسات الكبرى لاستمرار أعمالها، ومبادراتها لمساعدة المؤسسات الأصغر على الاستمرار، نظراً لأن تعطل مورد أو مقاول أو متجر قد يؤثر على بقية المنظومة مهما بلغت قوة مؤسساتها الرئيسة.
وأكدت توصيات الحلقة إدماج المسؤولية الاجتماعية في استراتيجيات الشركات وخطط الطوارئ، وتوسيع الشراكات والمشتريات المحلية، وانتظام سداد المستحقات، وقياس الأثر. وتكشف تجارب البحرين في القطاعات المختلفة كيف يمكن تحويل هذه المبادئ إلى استثمارات وبرامج تحمي الاقتصاد في أثناء الأزمة وتزيد جهوزيته للمستقبل.
قدمت «البا» تجربة عملية في إدارة الموارد أثناء الاضطراب، إذ أعلنت في مارس إيقافاً آمناً ومنظماً لثلاثة خطوط صهر، لتوجيه مخزون المواد الخام إلى الخطوط الأخرى، والمحافظة على استقرار التشغيل، وتنفيذ صيانة تحمي الأصول المتوقفة. وجاء تعرضها لاعتداء إيراني لاحقاً ليؤكد أهمية الجهوزية لحماية العاملين والأصول في مواجهة مخاطر متزامنة. وحققت الشركة أرباحاً للمساهمين بلغت 140.2 مليون دينار في النصف الأول من 2026، بزيادة 228%، مما يعكس قدرة مالية مهمة بالتزامن مع ضغوط الإنتاج والشحن وارتفاع أسعار الألمنيوم. ويكمن الدرس الاستراتيجي في أن الاستدامة تحتاج إلى المحافظة على الربحية والسيولة والقدرة الإنتاجية والعلاقات التجارية معاً.
وفي قطاع الطاقة، أكدت “بابكو إنرجيز” تأمين احتياجات السوق المحلية وفق خطط استباقية، على رغم تأثر العمليات والاعتداء الإيراني الغاشم على مجمع التكرير. وفي 7 أكتوبر، راجعت المجموعة تعافي أعمالها وعودة العمليات إلى طبيعتها وإجراءات موثوقية التشغيل. وتبرز التجربة أهمية فصل تأمين الخدمة الأساسية للمجتمع عن معالجة الضرر داخل المنشآت، مع تنسيق المسارين. وتشكل الجهوزية البيئية جزءاً أساسياً من ذلك، فقد أعلنت المجموعة في سبتمبر تشغيل تقنية «أنديوم» لاكتشاف الميثان ومراقبة الانبعاثات آنياً، وتشارك في إطار “OGMP 2.0” للإبلاغ عن انبعاثات الميثان. وتذكر استثمارات «بابكو للتكرير» البيئية التراكمية التي تتجاوز 320 مليون دولار، وزراعة أكثر من 12 ألف شتلة قرم، ومشروعاً في الحنينية يستخدم المياه المعالجة ويستهدف زراعة أكثر من 20 ألف شجرة. وتكتسب هذه المبادرات قيمة اقتصادية حين تخفض الهدر والمخاطر والكلفة، وتحمي الموارد والثقة المجتمعية.
أما دعم المؤسسات الأصغر، فتقدمه «البا» عبر برنامج الابتكار المفتوح المدعوم من «تمكين»، الذي يتيح للشركات الناشئة والصغيرة تطوير حلول لاحتياجات صناعية. ويمكن توسيع هذا النموذج إلى تأهيل الموردين للصيانة والسلامة والرقمنة وكفاءة الموارد، وربطه بعقود وفرص تنفيذ، حتى تتحول المعرفة إلى أعمال مستدامة.
تحتاج المنشأة الصغيرة خلال الأزمة إلى حماية عناصر استمرارها: العامل والمقر والمخزون والعميل والسيولة. وجاء برنامج «مساندة» من «تمكين» لمعالجة الضرر المباشر والنفقات التشغيلية وأرباح تمويل رأس المال العامل. وامتد دعم التشغيل إلى ستة أشهر مرتبطاً بالاحتفاظ بالعاملين، بينما يغطي دعم التمويل 100% من الأرباح خلال فترة سماح تصل إلى 12 شهراً، مع سداد يصل إلى ثلاث سنوات. وفي أحدث نتائج معلنة بنهاية سبتمبر، استفاد من البرنامج أكثر من 8,300 فرع، وأسهم في الاستقرار الوظيفي لأكثر من 11,400 بحريني خلال أقل من خمسة أشهر، وشكلت المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة 92% من المستفيدين.
ويؤدي بنك البحرين للتنمية دوراً تنفيذياً محورياً في هذه المنظومة، إذ يوفر تمويل رأس المال العامل ضمن «مساندة» لتغطية الرواتب والإيجارات والمخزون ومستحقات الموردين. ويتولى كذلك إدارة صندوق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالشراكة مع القطاع المصرفي وبدعم «تمكين»، لتمويل الأصول ورأس المال العامل، بسداد يصل إلى خمس سنوات ودعم اعتيادي يصل إلى 50% من أرباح التمويل، وفق الشروط. وأظهرت بيانات منشورة في سبتمبر أن الصندوق قدم 2.879 مليون دينار إلى 46 منشأة منذ مارس.
وتكمل الغرفة المنظومة عبر «صوت التاجر» لمتابعة احتياجات أصحاب الأعمال، ومبادرة «Cyber Ready Bahrain» لبناء الجهوزية السيبرانية للمؤسسات الصغيرة. كما أعلنت في أكتوبر إعداد برامج للتدفقات النقدية والتخطيط والحوكمة. والتوصية هي جمع هذه الخدمات في مسار عملي لكل منشأة، يتابع السيولة والعمالة والتحصيل والمورد البديل واستمرار الأنظمة، ويقيس انخفاض التعطل واستعادة المبيعات.
تعمل مسؤولية القطاع المصرفي في اتجاهين: أولهما حماية استمرارية الخدمات عبر خطط التشغيل والجهوزية الرقمية وسلامة العاملين، بما يتيح استمرار المدفوعات والتحويلات والتحصيل ودفع الأجور. وقد عرضت الحلقة تطبيقات للعمل عن بُعد واستمرار الخدمات الرقمية، وهي ترتيبات تساعد المؤسسات الأخرى على العمل عندما تتعطل الحركة المعتادة.
وثانيهما تخفيف الضغط على العملاء، فقد أتاح برنامج مصرف البحرين المركزي للبنوك وشركات التمويل تقديم خيار تأجيل أقساط القروض وبطاقات الائتمان، بما يشمل الأقساط والفوائد، ثلاثة أشهر للأفراد والشركات. وتوفر المهلة سيولة للتشغيل، بينما تحتاج الحالات التي يستمر تأثرها إلى مراجعة قدرتها على السداد وخيارات إعادة ترتيب الالتزامات.
وتشمل المبادرات المصرفية أيضاً المشاركة في صندوق المؤسسات الصغيرة، وتمويل رأس المال العامل، والتسهيلات المخصصة للمتضررين، والإرشاد والشراكات. ومن أمثلتها مبادرة «استدامة القطاع الواعد» التي تجمع حلولاً مالية وتسهيلات مصرفية، وتسويقاً عبر منصات «البلاد»، وإشرافاً تنفيذياً من جمعية تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وتكمن قيمتها في مساندة التمويل والطلب والإدارة معاً.
وفي أكتوبر، دعت “الغرفة” إلى تمويل الفواتير والمستحقات والعقود وأوامر الشراء وسلاسل التوريد، وإعطاء التدفقات النقدية وزناً أكبر في التقييم. والتوصية هي تطوير أدوات تناسب دورة النشاط، وسرعة البت للحالات ذات المبيعات والعقود القائمة، ومراجعة المستفيدين قبل انتهاء السماح. كما تستطيع الشركات الكبرى تسهيل تمويل مورديها بتأكيد المستحقات ضمن ترتيبات مصرفية واضحة، لتقليل انتقال نقص السيولة عبر السوق.
دخلت شركات الغذاء الأزمة بخبرة تراكمت منذ كورونا، فقد أوضحت أوراق الحلقة أن شركات عززت مخزوناتها لتصل إلى ستة أشهر، وهو ما ساعد على توافر المنتجات في بداية الاضطراب. وهذه المدة تخص الممارسات المعروضة، وتختلف التغطية بحسب الشركة والسلعة. لكن الدرس واضح: المخزون المدروس يمنح وقتاً لتفعيل البدائل، ويقلل الارتباك والشراء الاندفاعي.
ومع استمرار الاضطراب، أُعيد توجيه الشحنات عبر موانئ البحر الأحمر والسعودية، واستخدمت مسارات عبر الفجيرة وخورفكان في الإمارات، ثم النقل البري إلى جبل علي وإعادة الشحن البحري إلى البحرين وفق الترتيبات التشغيلية المتاحة. وهذه المسارات تتجاوز “هرمز” في جزء من الرحلة، وتختلف جدواها بحسب تشغيل الخطوط البحرية والحدود والتبريد وزمن الوصول. وتؤكد التطورات الإقليمية أهمية هذه البدائل، ففي سبتمبر أُطلقت خدمة تربط مرافئ الفجيرة بمدينة أبوظبي الصناعية بالسكك الحديدية وخدمات جمركية داخلية. كما شددت البحرين في منتدى الفجيرة للطاقة في أكتوبر على الممرات متعددة الوسائط والبدائل القابلة للتشغيل.
وتمثل هذه البنية فرصة لتعزيز خيارات الإمداد البحرينية، دون افتراض أن كل خدمة جديدة استُخدمت فعلياً لشحنات المملكة. وأدت “الغرفة” والجهات الحكومية وشركات النقل دوراً في معالجة مستندات إعادة التوجيه والحاويات المبردة والفحص والتخليص. ويمكن تطوير ذلك إلى خدمات مشتركة للمستوردين والمتاجر الصغرى: تجميع الشحنات، وحجز النقل والتبريد، وتبادل المعلومات، وتمويل المخزون الذي تطول رحلته، فاستمرار المؤسسات الصغيرة في التوزيع والتجزئة يكمل استدامة المنتج والمستورد الكبير.
وتقود التجارب إلى أولوية مشتركة: ربط جهوزية المؤسسة الكبرى بقدرة شركائها الأصغر على الاستمرار. ويتطلب ذلك توسيع المبادرات المثبتة، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة نتائج الدعم والتشغيل والبيئة والإمدادات. عندها تصبح المسؤولية الاجتماعية استثماراً في اقتصاد يحتفظ بقدراته في أثناء الأزمة، ويخرج منها أكثر استعداداً للمستقبل.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد