خبايا لمعان السيارات: كيف تخفي الورش ممارسات الغش في خلطات الطلاء؟


هذا الخبر بعنوان "تحقيق "البلاد" | خلطات مغشوشة وطلاء لامع" نشر أولاً على موقع البلاد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حسن عبدالرسول: أصباغ الجدران ليست بديلاً لدهانات السيارات
مكونات الطلاء تحدد عمر الصباغة ومقاومتها للعوامل الجوية
تغيير نسب الخلط قد يحوّل الطلاء إلى مشكلة مؤجلة
ما يبدو طلاءً متقناً قد يخفي خللاً في مكوناته
كيف تختفي ممارسات التلاعب خلف لمعان السيارة؟
بعد 3 أشهر بدأت عيوب الصباغة تظهر
قد تخرج السيارة من ورشة الصباغة بلون لامع ومتجانس، فيظن صاحبها أن المهمة انتهت وأنه حصل على الخدمة التي دفع مقابلها، لكن ما لا يستطيع رؤيته هو ما جرى قبل وصول الطلاء إلى هيكل المركبة: ما المواد التي دخلت في الخلطة؟ وهل استخدمت بالنسب الصحيحة؟ وهل جرى استبدال بعضها بمواد أقل كلفة؟ هذه الأسئلة تطرحها إفادات عاملين في قطاع السمكرة والصباغة تحدثوا إلى “البلاد”، والذين يقولون إن بعض الورش قد تلجأ إلى ممارسات تهدف إلى خفض تكلفة الطلاء، من بينها تقليل كمية المادة الأصلية أو إضافة مواد ومذيبات أخرى إلى الخلطة. ولا تظهر آثار هذه الممارسات، بحسب العاملين، بالضرورة عند استلام السيارة؛ إذ قد تبدو النتيجة جيدة في البداية، قبل أن تبدأ مشكلات مثل البقع وتفاوت اللون وبهتان الطلاء في الظهور مع مرور الوقت والتعرض للشمس والحرارة والغسيل المتكرر. لكن هل يكفي ظهور عيب في الطلاء لإثبات الغش؟ وما الذي يحدث كيميائياً عندما تتغير مكونات الخلطة أو نسبها؟ وكيف يستطيع المستهلك اكتشاف ما لا تراه العين؟ ومتى يتحول استخدام مادة بديلة أو تقديم خدمة بمواصفات مختلفة عن المتفق عليها إلى مخالفة قانونية؟
التلاعب يبدأ من الخلطة
في منطقة سلماباد الصناعية، يقول صاحب أحد كراجات السمكرة والصباغة إبراهيم الفردان، إن بعض ممارسات خفض التكلفة قد تبدأ من مكونات الخلطة نفسها. ويقول إن ارتفاع أسعار مواد الصباغة دفع، بحسب ما رصده خلال عمله، بعض الورش إلى البحث عن وسائل لتقليل تكلفة العمل، من بينها تقليل كمية المادة الأصلية أو إضافة مواد أخرى إلى خلطة السمكرة. ويقول: “أسعار مواد الصباغة ارتفعت، وهذا جعل بعض الورش تبحث عن طرق لتقليل التكلفة، ومن بين الممارسات التي نراها في السوق إضافة مواد مثل الكيروسين أو الكاز أو بعض المذيبات إلى الخلطة، وهو ما يؤثر في جودة الصبغ، بحسب نوع المادة والكميات المستخدمة”. ويشير إلى أن المشكلة في مثل هذه الممارسات تكمن في أن المستهلك لا يستطيع اكتشافها بسهولة، لأن السيارة قد تبدو جيدة عند استلامها. ويضيف: “الصباغة قد تبدو جيدة في البداية، لكن مع التعرض المستمر للشمس والحرارة، ومع تكرار غسل السيارة بالبخار، قد تبدأ العيوب بالظهور، ومنها البقع أو التفاوت في اللون”. وبحسب الفردان، لا يقتصر التلاعب المحتمل على الخلطة، إذ قد تظهر المشكلة أيضاً في مراحل تجهيز الهيكل، من خلال استخدام كميات كبيرة من المعجون أو معالجة الأضرار السابقة بطريقة لا تحقق النتيجة المطلوبة على المدى الطويل.
المادة الأصلية أقل
ويتحدث شهباز، وهو عامل آسيوي في مجال صباغة السيارات، عن ممارسة أخرى تتمثل، بحسب قوله، في تقليل كمية المادة الأصلية وإضافة مواد أخرى بهدف تقليل تكلفة الخلطة. ويقول إن مثل هذه الممارسات، إذا تمت بطريقة غير صحيحة، يمكن أن تنعكس على جودة الطلاء وعمره، مشيراً إلى أن آثارها قد لا تظهر مباشرة بعد انتهاء العمل. ويضيف أن الطلاء قد يبدأ بعد فترة في فقدان لمعانه أو ظهور بقع وتفاوتات في اللون. ويفرق بين جودة المواد وطريقة التطبيق، موضحاً أن استخدام أفران مخصصة وأنظمة دقيقة للخلط والتجفيف يمكن أن يحسن جودة التنفيذ، لكن التجهيزات وحدها لا تمنع المشكلة إذا كانت المواد المستخدمة أو نسب الخلط غير مناسبة.
ماذا يوجد فعلياً داخل الطلاء؟
حتى يفهم المستهلك خطورة تغيير مكونات الخلطة، يشرح المهندس الميكانيكي حسين إسماعيل أن دهانات السيارات ليست مادة واحدة، وإنما منظومة متكاملة من مكونات لكل منها وظيفة محددة. ويشير إلى أن أبرز هذه المكونات تشمل “الراتنجات”، وهي المواد التي تعمل كعنصر رابط لمكونات الطلاء وتساعد على التصاقه بالسطح وتحديد عدد من خصائصه النهائية، إضافة إلى الأصباغ والحشوات والمذيبات أو الماء والإضافات. ويوضح أن الراتنجات تؤثر في خصائص أساسية مثل الالتصاق والصلابة والمرونة واللمعان ومقاومة العوامل الجوية والأشعة فوق البنفسجية. أما المذيبات أو الماء، فتؤدي دوراً في التحكم في لزوجة الطلاء وطريقة رشه وتدفقه وزمن تبخره، فيما تدخل الحشوات في عدد من الطبقات التمهيدية والمعاجين. ويشير إسماعيل إلى أن الإضافات، رغم استخدامها بكميات صغيرة، يمكن أن تؤثر في التسوية والتدفق ومنع الترسب وسرعة المعالجة والحماية من الأشعة فوق البنفسجية. ويؤكد أن جودة الطلاء تعتمد على التوازن بين مكوناته وطريقة تحضيره وتطبيقه والظروف المحيطة بعملية الصباغة. ومن هنا، فإن تغيير مكونات المنتج أو نسب الخلط الموصى بها ليس مجرد تغيير في “الكمية”، بل يمكن أن يؤثر في الخصائص التي صُمم الطلاء لتحقيقها.
مواد بديلة
ويؤكد الصباغ محمد حسين أن بعض المواد التي قد تمنح السطح مظهراً مقبولاً لا تصلح بالضرورة بديلاً عن المنتجات المخصصة للسيارات. ويضرب مثالاً بأصباغ الجدران المنزلية، موضحاً أنها تختلف في تركيبها ووظيفتها عن دهانات السيارات، التي صممت لتحمل ظروف مختلفة تشمل أشعة الشمس والحرارة والعوامل الجوية والغسيل المتكرر. ويقول إن إعطاء السطح مظهراً جيداً في البداية لا يعني أن المادة المستخدمة مناسبة للمركبة أو قادرة على المحافظة على خصائصها مع مرور الوقت. ويشدد على أن المواد المستخدمة في صباغة السيارات يجب أن تكون مخصصة لهذا الغرض، وأن استبدالها بمواد أرخص أو غير مناسبة قد يؤثر في جودة النتيجة وعمر الطلاء.
الغش المختبئ
وتقدم تجربة المستهلك جميل المحمد مثالاً على صعوبة اكتشاف المشكلة في وقتها، حيث كان المحمد يريد تجهيز سيارته لاجتياز فحص المرور، فتوجه إلى إحدى الورش التي عرضت عليه صباغة السيارة بأقل من 100 دينار. ويقول: “كنت أريد صباغة السيارة حتى أتمكن من اجتياز فحص المرور، وعندما أخبروني أن بإمكانهم صباغة السيارة بأقل من 100 دينار، وجدت أن السعر مغرٍ، وقررت إجراء الصباغة”. وبحسب روايته، بدت السيارة جيدة عند استلامها، لكنه بعد نحو 3 أشهر بدأ يلاحظ تغيرات في الطلاء. ويقول: “بدأت تظهر بقع غريبة على جسم السيارة، وأصبحت أشبه بالخرائط، كما بدأ لون الصباغة يتغير في بعض المناطق”. ويشكك المحمد في جودة المواد والعمل اللذين حصلا عليهما، لكنه يقر بأن تجربته الشخصية لا تستطيع تحديد السبب الفني للعيوب أو إثبات وجود غش. وهنا تكمن المشكلة التي يواجهها المستهلك: العيب وحده لا يكشف ما إذا كان سببه مادة مغشوشة أو خللاً في الخلط أو سوء تجهيز السطح أو طريقة التطبيق.
ما تخفيه طبقات الطلاء
ويشير صاحب ورشة سمكرة السيارات مصطفى القصاب إلى أن جزءاً من أعمال الإصلاح يختفي تحت الطبقة الأخيرة من الطلاء. ويقول إن المعجون يستخدم لمعالجة بعض الأجزاء وتسوية آثار الأضرار والحوادث، وإن طريقة استخدامه وتجهيز السطح قبل الطلاء تؤثر في النتيجة النهائية. ويضيف أن استخدام كميات كبيرة من المعجون أو عدم معالجة السطح بالشكل الصحيح قد يؤدي إلى ظهور آثار العمل مع مرور الوقت. وهذا يعني أن اكتشاف مشكلة في الطلاء لا يكفي وحده للحكم على وجود تلاعب في الخلطة، إذ يحتاج تحديد السبب إلى فحص المراحل المختلفة التي سبقت الطلاء النهائي.
جهاز يكشف ما لا تراه العين
ويشرح صاحب أحد الكراجات حسين فضل، أن أجهزة قياس سماكة الطلاء يمكن أن تكشف مؤشرات لا تظهر بالعين المجردة. ويقول إن الجهاز يقيس سماكة الطلاء في مناطق مختلفة من السيارة، وإن مقارنة القراءات بين الأجزاء يمكن أن تكشف مؤشرات على إعادة الرش أو وجود طبقات إضافية أو أعمال سمكرة سابقة. ويؤكد: “العين المجردة قد لا تلاحظ الفرق دائماً، والجهاز يعطي مؤشراً، لكن لا بد من مقارنة القراءات بين أجزاء السيارة المختلفة، إلى جانب الفحص البصري والفني، للوصول إلى نتيجة دقيقة”. ويشدد على أن قراءة الجهاز وحدها لا تثبت وجود غش، وإنما تقدم مؤشراً يحتاج إلى تفسير فني وربطه بتاريخ السيارة وحالتها.
متى يتحول التلاعب إلى غش؟
قانونياً لا يكفي أن يكون سعر الخدمة منخفضاً أو أن تظهر عيوب في الطلاء للقول بوجود غش، ويوضح المحامي تقي حسين أن المسؤولية القانونية ترتبط بما تم الاتفاق عليه مع المستهلك، وبالمواصفات والبيانات التي قدمها مقدم الخدمة، وما إذا كانت الخدمة أو المواد المقدمة تختلف عما تم الاتفاق عليه أو الإعلان عنه. ويشير إلى أن الإطار التشريعي البحريني يتضمن قانون حماية المستهلك رقم (35) لسنة 2012، إلى جانب التشريعات ذات الصلة بمكافحة الغش التجاري. ويؤكد أن إثبات المخالفة يحتاج إلى فحص الواقعة والأدلة، مشيراً إلى أهمية احتفاظ المستهلك بالفاتورة والمراسلات وأي مستندات توضح طبيعة الخدمة والمواد أو المواصفات المتفق عليها. وعند وجود نزاع حول جودة العمل، يمكن الاستعانة بتقرير فني يحدد طبيعة المشكلة وأسبابها، قبل تقديم الشكوى إلى الجهة المختصة.
الرقابة التي يحتاجها المستهلك
ويرى صاحب أحد الكراجات محمد صفر أن الرقابة على ورش السمكرة والصباغة يجب ألا تقتصر على شكل السيارة بعد انتهاء العمل، بل تشمل المواد المستخدمة داخل الورش. ويقول إن المستهلك لا يستطيع في الغالب معرفة نوعية المواد التي دخلت في الخلطة أو التحقق من نسب استخدامها، ولذلك فإن الرقابة على المواد وأساليب العمل تمثل جانباً أساسياً في حماية السوق. ويضيف: “نحن مع وجود رقابة تضمن حقوق الجميع، لأن الورشة التي تعمل بصورة صحيحة وتستخدم مواد جيدة تتضرر عندما تكون هناك ورش تخفض أسعارها من خلال تقليل جودة المواد أو استخدام بدائل غير مناسبة”.
السؤال الذي لا يملك المستهلك إجابته
في النهاية، المشكلة لا تكمن في أن تكون صباغة السيارة رخيصة أو مرتفعة التكلفة، وإنما في ما الذي حصل عليه المستهلك فعلياً مقابل ما دفعه. فإذا كانت الخلطة قد جرى إعدادها وفق المواصفات والمواد المناسبة، فإن انخفاض السعر قد يكون نتيجة عوامل أخرى في حجم العمل أو كفاءة الورشة أو المنافسة. أما إذا كان خفض التكلفة يتم عبر تقليل مكونات الطلاء أو استبدالها بمواد غير مناسبة أو تقديم خدمة تختلف عما تم الاتفاق عليه، فهنا يصبح الأمر أبعد من مجرد “صباغة رخيصة”، ويستحق الفحص والرقابة والمساءلة وفق ما تثبته الأدلة. ويبقى المستهلك أمام سؤال يصعب عليه الإجابة عنه بنفسه: عندما يرى سيارة لامعة أمامه، هل يرى جودة الطلاء فعلاً، أم يرى فقط النتيجة التي أرادت الورشة أن يراها؟ فالقصة الحقيقية لصباغة السيارة لا تبدأ عند لونها الأخير، وإنما تبدأ مما دخل في الخلطة، وما جرى تحتها، وما تم الاتفاق عليه قبل أن يغلق باب الورشة.
تحذير
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد